Thursday, November 27, 2014

تجربتي مع تاريخ الرياضة الفلسطينية

 

 
 
عصام الخالدي
 
 
  ليس الهدف من كتابة هذه السطور هو تعريف القارئ على نفسي بل عن تجربتي الذاتية في البحث والتنقيب عن تاريخ حركة رياضية فلسطينية ضمت بداخلها كنوز ثقافية دفن بعضها وسرق وأخفي بعضها ولم يدوّن إلا القليل منها.
لم يخطر ببالي بعد عودتي من الاتحاد السوفياتي في بداية عام 1987 فكرة تاريخ الرياضة في فلسطين ، ولكنها أتت  بعد حوالي عامين أثناء الانتفاضة الأولى عندما أشار لي ابن خالتي إسحق البديري الذي كان يعمل مع المرحوم فيصل الحسيني في جمعية الدراسات العربية في القدس عن وجود وثيقتين تاريخيتين في مجال الرياضة لدى هذه الجمعية ، الأولى : التقرير الداخلي للاتحاد الرياضي الفلسطيني لعام 1945- 1946 ، والثانية (بالانجليزية) رسالة من الاتحاد الرياضي الفلسطيني للاتحاد الدولي لكرة القدم في عام 1946.[i] وهذا ما دفعني لكتابة المقالة الأولى في البيادر السياسي في عام 1989 بعنوان: الاتحاد الرياضي الفلسطيني نضال دؤوب من أجل إثبات الهوية الفلسطينية قبل عام 1948. [ii]
بعد عودتي إلى الاتحاد السوفياتي فيعام 1989 بدأت البحث عن الاخبار الرياضية في صحيفة (فلسطين) في معهد الاستشراق في موسكو. وبعد مغادرتي موسكو الى الولايات المتحدة في نهاية عام 1992 بدأت فورا العمل في الحصول على صحيفة (فلسطين) و(الدفاع) وكان ذلك في المكتبة العامة في سان فرانسيسكو ، فقد احضرت لي اعداد هذه الصحيفة من مكتبات أخرى ضمن عملية التبادل بين المكتبات. ثم بدأت كتابة المقالات والابحاث حول هذا الموضوع.
في عام 2006 قمت بنشر كتاب (تاريخ الحركة الرياضية في فلسطين منذ مطلع القرن العشرين وحتى عام النكبة) على موقع مؤسسة فلسطين للثقافة وفيما بعد نشرته على موقع تاريخ الرياضة الفلسطينية. وكان هذا أول كتاب عن تاريخ الحركة الرياضية في فلسطين إبان فترة الانتداب البريطاني. كما وقمت بنشر العديد من المقالات في المجلتين Jerusalem Quarterly  وحوليات القدس اللتين تصدران عن مؤسسة الدراسات المقدسية التابعة لمؤسسة الدراسات الفلسطينية.
 
 في تشرين الثاني 2009 تم إنشاء هذه المدونة باللغتين العربية والانجليزية لتحوي مواضيع مختلفة بقلمي وقلم آخرين لها علاقة بتاريخ الرياضة في فلسطين. وكنت على يقين بأن افضل تكريم للرياضيين والقياديين والعاملين بحقل الرياضة هو الكتابة عنهم. كما وبصراحة أردت أن أوجه رسالة إلى الناطقين بالانجليزية في العالم لتعريفهم بتاريخ الرياضة الفلسطينية وبأن فلسطين لم تكن جرداء خالية من قوم اسمهم "الشعب العربي الفلسطيني" الذي تمتد جذوره في هذه الأرض إلى مئات السنين ، بعيد عن الحضارة والرقي ، أتى الصهاينة الذين هم شعب بلا أرض إلى أرض بلا شعب ليزرعوها ويحيوها -  كما كان وما زال يعمل خصمنا الصهيوني على اقناعه . أيضا أردت من خلال هذه الرسالة أن ارد على المؤرخين الإسرائيليين ولاسيما في مجال الرياضة الذين كانوا يكتبون على اهوائهم غير مبالين بوجود شعب عربي فلسطيني كانت له قبل النكبة نشاطاته ومؤسساته التعليمية والثقافية والرياضية. وبسبب حالة التبجح التي أصيبوا بعد عام 1948 والتي ازدادت بعد عام 1967 لم يذكر هؤلاء المؤرخين على الإطلاق بأنه قبل عام 1948 كان في فلسطين تطور رياضي عربي لا بأس به واكبر دليل على ذلك وجود حوالي خمس وستون ناديا في فلسطين معظمهم كان عضوا في الاتحاد الرياضي الفلسطيني الذي اعيد تأسيسه في عام 1944. ومن احدى الدلائل الأخرى على هذا التقدم الرياضي هو تطور رياضات الملاكمة والمصارعة ورفع الأثقال لتصل إلى مستويات استطاع بها الرياضيون الفلسطينيون أن يتباروا مع اخوانهم المصريين . وكان هدفي أيضا من هذه المدونة جعلها موسوعة للأندية والشخصيات والقيادات الرياضية ولمعلومات جمة عن الرياضة الفلسطينية على مدى أكثر من مئة عام، كما أنني لست على ثقة بالمعلومات التي تنشر على الويكيبيديا بكل ما يتعلق بفلسطين والرياضة الفلسطينية والتي معظمها ممنهج يأتي من اشخاص ومنظمات صهيونية . بالإضافة إلى أنه من غير المعروف متى ستتكرم اجهزتنا ومؤسساتنا إرسال حقائق عن الرياضة الفلسطينية (وغيرها) للويكيبيديا.
 
 إن تاريخنا يختلف عن أي تاريخ آخر وهو أنه أريد سلبه كما سلبت الأرض، فالحفاظ عليه هو مثل الحفاظ على الروح بالجسد وعلى سريان الدم فيه . أيضا فإن التاريخ بالنسبة لشعبنا هو جزء من هويته الفلسطينية العربية ولا ينفصل عنها ، وما تعرضت له فلسطين على مدى  هذه الحقبة من الزمن من خلال تصديها للخطر الصهيوني كان له أكبر الأثر في تشكيل وتعميق والحفاظ  على هذه الهوية.
في نيسان 2011 اتصل بي جيروم شامبين مستشار الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم واللجنة الأولمبية الفلسطينية وعضو سابق في اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي لكرة القدم وأشار لي أنه قرأ مقالة كنت قد نشرتها بالإنجليزية عن تاريخ الرياضة في فلسطين قبل عام 1948. وعرض علي  الشروع في العمل في كتاب (مئة عام على كرة القدم في فلسطين) بالعربية والانجليزية. ولم اتردد في قبول هذا العرض (أو الطلب) والسبب في ذلك هو أنه كيف باستطاعتي أن أرفض العمل في مشروع مثل هذا مدعوم من الاتحاد الدولي وبالتنسيق مع الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم يهدف إلى تأريخ كرة القدم الفلسطينية ويقدم خدمة جليلة إلى شعبي وإلى فلسطين. وبرغم الفترة الزمنية القصيرة المعطاة لهذا المشروع (ما يقارب السنتين) بدأت على الفور بهذا العمل الشاق والذي قضيت ساعات وأيام وأشهر اسعى من اجل اتمامه . وتم إطلاق الكتاب في تموز 2013 أثناء زيارة جوزيف بلاتر رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم  إلى فلسطين (الذي كتب مقدمة لهذا الكتاب). واعتمدت في هذا الكتاب على وثائق حصلت عليها من خلال زيارتي إلى مقر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في زيورخ في سويسرا الذي له الشكر الجزيل في تقديم كل العون لي. كما واعتمدت على بعض المصادر النادرة من هنا وهناك عن الرياضة الفلسطينية. [iii]
 
    بالطبع وبصراحة كانت مهمة صعبة بالنسبة لي لأخذ هذه المهمة والسبب هو أنه للأسف لم يدون إلا القليل من تاريخ الحركة الرياضية الفلسطينية والمصادر التي ممكن الاعتماد عليها قليلة جدا ناهيك عن انه هناك الكثير من العوائق أمام تدوين التاريخ الرياضي التي اهمها جمع المصادر حتى أنه في بعض الاحيان يحتاج الباحث وقت طويل ومشاق من اجل الكشف عن معلومة صغيرة.
    إننا على يقين بأن الاهتمام والنهوض بتاريخ الرياضة يعتمد على عدة عوامل التي منها الوعي الثقافي العام لأهمية التاريخ وأهمية الرياضة ، وفي الإبداع فيتوثيق الحركة الرياضية ، أيضا فإن تأسيس أقسام التربية البدنية في جامعاتنا وجعل موضوع تاريخ الرياضة ضمن المنهجاج وإجراء البحوث العلمية بمجموعها ستساعد في تعزيز موضوع تاريخ الحركة الرياضية الفلسطينية.  إن تدوين تاريخ الرياضة في فلسطين أو في أي بلد عربي آخر مثله مثل غيره من فروع التاريخ هو بحاجة إلى عشرات الكتب والمجلدات ومئات الابحاث لرسم صورة واضحة ومتكاملة عن كل مراحله التاريخية المختلفة وعن تطور النشاط الرياضي وميزاته ودوره الثقافي والاجتماعي والسياسي الخ.
 
     وفي الختام فإن ما أقوم به أنا وغيري من جهود في هذا المجال ما هو إلا نقطة في خضم النضال الذي يخوضه شعبنا من أجل تحقيق أهدافه . إن طرق وأساليب النضال مختلفة ومتعددة وكلها في النهاية لها هدف واحد هو الحرية والعزة والكرامة. ولذا فإن تدوين تاريخنا هو احد الأساليب النضالية التي تصب في نهاية الأمر في بحر نضالنا العام.
 وبصراحة لم اسع من وراء هذا العمل لأجل مردود مادي ، بل أن المردود المعنوي أغلى مئات المرات لدي من المردود المادي ، ويكفي أن أرى يوميا دخول الكثيرين من عرب وأجانب على هذه المدونة لأشعر بالاعتزاز والفخر بأنني جزء من هذا الشعب المعطاء المقاوم. وحتى ولو تم كتابة جزء بسيط من تاريخ حركتنا الرياضية فإن هذا له قيمة عظيمة ليكون بمثابة نقطة انطلاق ينطلق منها الباحثون في المستقبل وليفتح الباب أمام الأجيال القادمة من اجل التوسع في هذا المجال.
       


[i] قامت سلطات الاحتلال الاسرائيلي بإغلاق هذه الجمعية في عام 2001.
[ii] البيادر السياسي ، العدد 333 ، 7 كانون الثاني 1989 ، 2 , 57 – 58 ، العدد 334 ، 14 كانون الثاني ، ص . 58.
[iii] عصام الخالدي ، مئة عام على كرة القدم في فلسطين ، دار الشروق ، 2013.


No comments:

Post a Comment