Thursday, September 22, 2022

المثقفون وغياب ثقافة الجسد


                                                                                                                                  

عصام الخالدي

 

    رغم الحداثة التي تبناها المجتمع العربي منذ بداية القرن الماضي التي شملت مجالات عديدة تكنولوجية واقتصادية واجتماعية وثقافية (التي من ضمنها الرياضية) ، إلا انه ما زال يعاني من ظاهرة غياب ثقافة الجسد ، هذا بالرغم من ان احدى مظاهر الحداثة هي الوعي الصحي والثقافة الصحية وممارسة التمرين البدني والرياضة، فهذه الظاهرة ضمن ظواهر اخرى تثبت أن الحداثة التي تبناها وما زال يتبناها المجتمع العربي أُسيء فهم جوهرها واستخدِمت قشورها فقط.

 

   ما يُقصد هنا بثقافة الجسد هو الوعي بأهمية الجسد والتمارين الرياضية والوسائل الصحية الأخرى وجعلها جزء من نمط الحياة . وهي ليست وعي فقط ، بل سلوك أيضاً. وفي واقعنا العربي فإن غياب ثقافة الجسد هو جزء من غياب الثقافة الصحية العامة لدى المواطنين ومن بينهم الكثير من الأكاديميين والمثقفين الذين يعتبرون أن الجسد أدنى من العقل ودوره ثانوي فقط ، وأنه آلة تلبي ما يأمر به العقل ، ويتجاهلون اهميته في تعزيز مكانة العقل وفي التكامل الأمثل للنفس.

 

 وللأسف بدلا أن يكون المثقفون دعائيين لفوائد الرياضة ومحفزين ومشجعين لممارستها ومثال يُحتذى بهم نراهم يهملون الاعتناء بصحتهم متبعين نمطا صحيا غير مُنظم، ينظرون للنشاط الرياضي على أنه نشاط ترفيهي وعمل دون جدوى وإضاعة للوقت اكثر مما هو نشاط صحي وتربوي واجتماعي وثقافي ووطني ومؤشر حضاري أصبحت تقاس به حضارة الأمم. والأسوأ من ذلك أن نرى بعض المثقفين والأكاديميين يدّعون بأن النشاط الرياضي بحد ذاته هو وسيلة لإلهاء الشباب عن القيام بالمهام الوطنية الموجهة ضد الاحتلال ، وهذا ما يعكس عدم الوعي والإدراك  لجوهر التمارين البدنية والرياضة كنشاط تنافسي صحي ، وفهم الطاقات والقدرات الكامنة فيها كاداة للتربية الوطنية والأخلاقية والمعنوية والجمالية والصحية ، ومن الثابت أن الرياضة منذ نشوئها ومأسستها لعبت دورا وطنيا واجتماعيا وثقافيا . وبعد نكبة شعبنا في عام 1948 أصبحت الرياضة احدى الوسائل المهمة في الحفاظ على هويتنا الوطنية في الوقت الذي تنكر العالم لوجودنا وحقوقنا. وخلال فترة الاحتلال اصبحت الرياضة وسيلة مقاومة مهمة جعلت الاحتلال يخشاها ويحسب لها ألف حساب ، ويضع العوائق أمامها.

 

   إن المشكلة الكبرى التي تعرضت لها الثقافة الفلسطينية هي ايدلجتها وتسييسها ، فهذه الظاهرة كانت وما زالت سائدة في مجتمعاتنا العربية ، وعلى الصعيد الفلسطيني فقد كان لطبيعة الظروف التي عاشها الشعب الفلسطيني منذ عام 1948 وحتى وقتنا الحاضر والاحتلال دورها في ايدلجة وتسييس الثقافة التي تشكلت بفعل هذه الظروف وكانت موجهة على تحقيق الأهداف الوطنية ومقاومة الاحتلال ومقارعته. وقد أدى ارتباط الثقافة بالأيديولوجيا إلى إهمال جوانب عدة سلوكية وتوعوية. وكما يشير خالد الشرقاوي السموني أن هيمنة الايديولوجيا على الثقافة العربية جعلت دور المثقف العربي يتراجع عن الثقافة التقدمية أو ثقافة التغيير والحداثة . بالطبع تقع على عاتق المثقف مهمات كثيرة التي ليس منها فهم المجتمع الذي يعيش به فحسب ، بل والعمل على تغيير هذا المجتمع للأفضل ، ودفع العجلة التي تعمل على تقدمه ، فهو مسؤول عن إحداث تغيير في المجتمع في جوانب لا تقتصر فقط على السياسية والفكرية والثقافية فحسب بل وعلى الصحية وغيرها من الجوانب التي لا تعتبر ذات اهمية بالنسبة له كالفنية مثلا .

 

     لم تصبح ثقافة الجسد جزء من الثقافة العامة للشعب والثقافة الوطنية ، وهذا ليس بجديد فإن موضوع الجسد والاهتمام به كان غائبا ضمن الاجندة الوطنية في فلسطين منذ مطلع القرن العشرين وحتى وقتنا الحاضر . وعلى مر تاريخنا الحديث لم ينفصل الجسد الفلسطيني عن النضال الفلسطيني الذي ما كان غالباً معتمداً على الجسد مثل مقارعة الاحتلال ومواجهته روحيا ومعنويا وجسديا ، والصمود في التعذيب ، وتحمل معاناة السجون ، والصمود في الإضرابات عن الطعام، بالإضافة إلى تحمل الضغوطات والعراقيل التي يضعها الاحتلال بشكل يومي . ومن الجدير بالذكر أن هناك ثورات تبنت النشاط البدني من جهة كإعداد للمقاتلين ومن جهة اخرى لترويض الجسد والعقل من اجل بناء اجسام صحيحة والاستمرار بالنضال على قناعة  منهن أن الجسد القوي هو عماد مهم لهذا النضال.

 

    إن الاهتمام بالجسد هو سمة اخلاقية ووطنية ، فكل وطن كما هو بحاجة إلى مواطن صالح محب لوطنه ، محترم للنظام ، يتحلى بالقيم والأخلاق ، ملتزم بالقانون ، معطاء ، الخ ، هو أيضا بحاجة إلى مواطن صحيح الجسم ، وللأسف عندما نتصفح الأدبيات والمواقع الألكترونية المختلفة بحثا عن "المواطن الصالح" لا نجد أي ذكر بأنه هو أيضا المواطن الذي يولي صحته وجسده اهتماماً كافياً ، وكأن مسألة الاهتمام بالصحة والجسد ليس لها اهمية ومكانة تذكر في مفهوم المواطن الصالح ، كما وكأنها ليست عنصرا هاما  ضمن متطلبات المجتمع الذي ينبغي على المواطن تلبيتها.

 

No comments:

Post a Comment