Sunday, June 13, 2021

هل أراد الصهاينة التعاون مع العرب في المجال الرياضي في فلسطين الانتدابية؟

          

   عصام الخالدي  

  

  يدعي المؤرخون الإسرائيليون دائما أن قيادتهم  الرياضية الصهيونية في فلسطين كانت على استعداد دائم للتعاون مع العرب ، وأن الثاني كان يصر على رفض التعاون معهم في المجال الرياضي . نعم ، كان هناك رفض من الجانب العربي للتعاون مع الصهاينة في المجال الرياضي لأسباب اهمها أن الصهاينة لم يبدوا النية الصادقة للتعاون مع العرب ، وحتى لو أبدوا النية في التعاون مع العرب فإنها كثيرا ما كانت تبقى ضمن نطاق محدود أو أنهم كانوا مرغمون بسبب متطلبات الاتحادات الدولية.  

   


    كان هدف الصهاينة يكمن في استخدام الرياضة وكل الوسائل الثقافية لأجل بناء الوطن القومي في فلسطين،  ولم تكن لهم نية في التعاون مع العرب . نعم كانوا يدّعون دائما أن العرب لم يريدوا التعاون معهم في المجال الرياضي، ولكنهم وبشكل شبه علني كانوا يستخدمون الرياضة كغطاء من اجل نشاطاتهم العسكرية والقومية والاستيطانية ، ومن أجل إبعاد العرب وتهميشهم عن الساحة الرياضية . ومن المعروف جيدا أنه منذ بداية الهجرة لم يسع اليهود إلى التعاون مع العرب ، فهم هاجروا إلى فلسطين من أجل بناء الوطن القومي اليهودي ، وليس من أجل التعاون مع العرب ، أو إقامة دولة يعيش بها العرب واليهود معاً ، فهذا لم يكن ضمن اجندتهم.

  إن احدى ما ميز الهجرة الصهيوينة إلى فلسطين هو إنكار وجود السكان الأصليين (الفلسطينيين) ، وكما يشير إدوارد سعيد أنه بعيدا عن هذا العدد الكبير من العرب الذي يدل على أن الأرض كانت مأهولة بالفعل ، فبالنسبة إلى المستعمرين الصهاينة الأوائل كان يجب تجاهلهم. [1] ولم يقتصر هذا على تجاهل الوجود فحسب ، بل إنكار ونفي كل الجوانب التاريخية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية للشعب الفلسطيني الذي له جذور تمتد عميقا في هذه الأرض. بالإضافة إلى ذلك أن طابع السيادة Supremacy  والتفوق والتعامل الفوقي كان يغلب في تعامل الصهيونية مع العرب ، وهذا ليس غريباً عليها لكونها حركة عنصرية استيطانية ، وليس كما اصبح قادتها يدعون فيما بعد بأنها حركة تحرر وطني يهودي معادية للاستعمار. 

 

   وقد نرى هذا الاتهام اليوم بعدم التعاون من جانب العرب مع الخصم الصهيوني من قبل مؤرخي الرياضة الإسرائيليين في أدبياتهم وابحاثهم ، فهم يلقون باللوم على العرب لعدم التعاون مع الجانب الصهيوني في الحقل الرياضي في فترة الانتداب، متناسين أمور عدة إما عمداً أو عن قناعة بأن العرب رفضوا التعاون لأنهم لم يدركوا  الفوائد الجمة التي سيجلبها لهم هذا التعاون و"المودة" التي كان يكنها لهم الجانب الصهيوني.

  

   من المعروف أن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم Palestine Football Association تأسس عام 1928 من قبل اليهود والعرب والإنجليز بمبادرة من منظمة المكابي الرياضية الصهيونية ، ودخل في عضوية الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 1929 ، إلا أن الصهاينة فيما بعد قاموا بالانفراد في هذا الاتحاد وتهويده وإبعاد العرب عنه وتهميشهم ، وأصبحوا يحتكرون الساحة الرياضية بتمثيلهم فلسطين محليا وإقليميا ودوليا. وكان هناك تنسيق وتعاون وثيق بين البريطانيين والصهاينة في المجال الرياضي مما سهل على الثاني تحقيق تطور رياضي ملحوظ . وقد أدت الممارسات الصهيونية على الصعيد الرياضي إلى استياء العرب ودفعهم إلى تشكيل الاتحاد الرياضي الفلسطيني (العربي) في عام 1931 والذي استمر في العمل حتى عام 1938 ، وفيما بعد أعيد تشكيل الاتحاد الرياضي الفلسطيني العربي في أيلول عام 1944.

وهذا ما حدث أيضا مع اللجنة الأولمبية الفلسطينية ففي عام 1933 تم تشكيلها رسمياً ، واعترفت بها اللجنة الأولمبية الدولية في أيار 1934 . ومن المعروف كما أشار الكاتب في عدة مقالات له أن الصهاينة كانوا يهدفون إلى التفرد بهذه اللجنة منذ البدء ، ولكن اللجنة الأولمبية الدولية أصرت أن تشكل هذه اللجنة من اليهود والمسلمين والمسيحيين ، فبذلك قام الصهاينة بدعوة شخصية عربية مسلمة وأخرى مسيحية من أجل تشكيل هذه اللجنة ، وفيما بعد أي بعد انتهاء مهمتهم قاموا بالتفرد بهذه اللجنة.

 

   كانت الألعاب الأولمبية الحادية عشر سوف تقام في برلين في ألمانيا عام 1936 ، وقد ارسلت اللجنة الأولمبية الألمانية دعوة إلى خمسة وخمسين دولة من ضمنها فلسطين من أجل المشاركة في هذا الأولمبياد. وبرغم صعود هتلر إلى الحكم وموقف الحزب النازي من اليهود إلا أن القيادة الرياضية الصهيونية رأت أنه من صالحها الاشتراك في هذه الألعاب الأولمبية كممثلة لفلسطين، فهي بذلك تستطيع إرسال رياضيين ليرفعوا العلم "الأبيض والازرق" وجعل حضورهم دليل على وجود ممثلين ل(أرض إسرائيل) . وقد أرسل فريدنثال رئيس المكابي في ألمانيا رسالة يطلب بإلحاح مشاركة فلسطين في هذه الألعاب ، إلا أنه وبعد صدور قوانين نوريمبرج (التي صدرت في أيلول عام 1935 وكانت تتضمن تجريد أي مواطن غير آري من الجنسية الألمانية) فقد قرر الصهاينة عدم المشاركة في هذا الأولمبياد.


    إن ما حدث مع الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم في المراوغة والتلاعب من أجل تمثيل فلسطين على الساحة الدولية حدث تماما وبنفس الطريقة في انضمام فلسطين إلى اللجنة الأولمبية ، فقد قام يوسف ياكوتيلي – الذي تم ذكره - في منظمة المكابي بإرسال طلب العضوية إلى اللجنة الاولمبية الدولية ولكنه تلقى رسالة من اللورد ابيردير البريطاني بشأن الموافقة على طلب اللجنة الأولمبية الفلسطينية بتاريخ 25 أب 1933 قال فيها:

 

"اخبركم بأنه من المستحيل أن تعترف اللجنة الأولمبية الدولية باللجنة الأولمبية الفلسطينية بتشكيلتها الحالية ، لأنها تمثل فقط منظمة المكابي ، ولا تمثل كل الطوائف ..... يبدو لي أنهم إذا قامو بتلبية اقتراحنا وقاموا بتوسيع  لجنتهم لكي تضم يهودا [آخرين] ومسلمين ومسيحيين ، لا شي يمنعهم من تشكيل لجنة كأي قطر مستقل ، فمسألة الاستقلال غير مطروحة في نظام اللجنة الأولمبية الدولية."

 

    وبعد شهر أرسل الكونت دوبابيه لانور رسالة مؤرخة في 26 أيلول 1933 يقول فيها : إن اللجنة التنفيذية للجنة الأولمبية الدولية قد اطلعت على طلب الاعتراف المقدم من اللجنة الأولمبية الفلسطينية ، وأضاف بأنه يتمنى على هذه اللجنة أن تتوسع لكي تصبح ممثلة بشكل مناسب لكل فلسطين الحديثة وتضمنت الرسالة رفضا ضمنيا لمشاركة اللجنة الأولمبية الفلسطينية في الدورة التي سيتم تنظيمها في برلين عام 1937 [بسبب ممارسات النازية ضد اليهود].

    من هنا قررت قيادة المكابي دعوة أعضاء عرب (كما حدث في عام 1928 عندما ارادت الانضمام إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم) من أجل المشاركة الشكلية. وللأسف أن هؤلاء الأعضاء العرب الممثلين عن المسلمين والمسيحيين لم يعوا أسباب ودوافع هذه المشاركة فقد كانت الغاية فقط تلبية مطالب اللجنة الأولمبية الدولية ، ومن ثم إبعاد هؤلاء الأعضاء العرب عن هذه اللجنة. في 5 آذار 1934 بعثت اللجنة الأولمبية الفلسطينية رسالة إلى اللجنة الأولمبية الدولية تضمنت تشكيلها الجديد والتي ضمت عددا جديدا من مسلمين ومسيحيين ويهود ، وقد تم تسمية السيد علي المستقيم عن المسلمين [لم يذكر اسم الممثل عن المسيحيين] وكان يشغل منصب رئيس بلدية حيفا آنذاك. وقد اقترح ياكوتيلي على علي المستقيم أن يكون نائبه حيث وافق الأخير على ذلك. وفي 17 آذار 1934 أرسل المستقيم برقية إلى ياكوتيلي يعرب فيها عن سعادته لقبول منصب نائب الرئيس وأنه ليسعده مقابلة بقية اعضاء اللجنة. وبهذا أرسل رئيس اللجنة الأولمبية الدولية رسالة إلى اللفتاننت كيش رئيس اللجنة الأولمبية الفلسطينية في 19 أيار 1934 يخبره فيها اعتراف اللجنة الأولمبية الدولية باللجنة الأولمبية الفلسطينية وذلك اثناء اجتماعها في أثينا يوم 16 أيار 1934. وعلى أثر ذلك أرسلت اللجنة الأولمبية الفلسطينية في الخامس والعشرين من ذلك الشهر رسالة تبعتها رسالة أخرى في الثامن والعشرين إلى اللجنة الأولمبية الدولية مرفقة بنسخة من مقال نشر في (بالستين بوست) وقد ذكر في هذا المقال أن اللجنة الأولمبية الفلسطينية اجتمعت بكامل اعضائها ومنهم علي بك المستقيم، موحيا للجنة الأولمبية الدولية أن كل الأمور تسير على قدم وساق.

     للأسف ليس من المعروف إذا تم دعوة الأعضاء العرب فيما بعد لحضور الاجتماعات اللاحقة للجنة الأولمبية الفلسطينية ، ولكن ومن المؤكد أن هذه الخطوة كانت فقط من أجل تلبية مطالب اللجنة الأولمبية الدولية ليس أكثر ، وليس حبا بالعرب أو حبا في التعاون معهم. ومن المعروف أن اللجنة الأولمبية الفلسطينية لم يكن لها فاعلية بسب عدم المشاركة في الألعاب الأولمبية في برلين عام 1936 وامتناع اليهود عن المشاركة (بسبب المواقف التي أبداها هتلر وشعبه تجاههم)، وأيضا بسبب إلغاء الألعاب الأولمبية في عامي 1940 و 1944.

  على صفحة مراسلات اللجنة الأولمبية كان يوجد الرمز الأولمبي – حلقاته الخمس المتشابكة – والكلمات "اللجنة الأولمبية الفلسطينية" باللغات الإنجليزية والعربية والعبرية – على الرغم من أن الترجمة العبرية تقول في الواقع "اللجنة الأولمبية في أرض إسرائيل."

 

المكابياد

      يشير عيسى السفري في كتابه (فلسطين بين الانتداب والصهيونية) إلى أن الصهاينة يسعون دائما إلى أيجاد أفضل الوسائل من أجل إدخال المزيد من المهاجرين إلى فلسطين ، فكما يشير عيسى السفري أن " الصهاينة استنبطوا منذ عام 1924 حيلا جديدة لإدخال المزيد من المهاجرين اليهود إلى البلد ، فلجئوا إلى التهريب والخديعة ، وتظاهروا بالرضوخ للقيود التي ينص عليها قانون الهجرة وتحويل العديد من طالبي الدخول إلى فلسطين ، ثم إخفائهم في المستعمرات . وكان احد هذه الوسائل "المكابياد"  مهرجان رياضي على نسق الألعاب الأولمبية ، دعت له القيادات الصهيونية عام 1929 كانت تشارك به الشبيبة الصهيونية من كافة أنحاء العالم حيث يبقى جزء كبير منهم بلا عودة..... دخل فلسطين سنة 1935 ستة آلاف مهاجر من هذا النوع وسلموا جوازات سفرهم إلى الحكومة ودفعوا التأمينات المطلوبة، ظلوا في البلاد ولم يخرجوا منها إلى الآن". كما يشير أيضا إلى " أنه هناك ثلاث طرق رسمية تستغلها الجمعيات الصهيونية في تهريب اليهود إلى فلسطين نذكرها فيما يلي المكابياد : نسبة إلى المكابي ، وهي اصطلاح يهودي يقابله بالإفرنجية " المكابياد" [مهرجان على نمط الألعاب الأولمبية ابتدعته الصهيونية وأقيم في فلسطين في عامي 1932 و1935] يقيمها اليهود في كل سنتين مرة ، يدخل فلسطين بواسطتها – عدا اللاعبين الرسميين وعددهم لا يتجاوز العشرات – الألوف من غير اللاعبين الذين يبقون في البلاد."[3]

      ويضيف السفرى إلى أنه "ومن المعلوم أن الصهيونية كانت تعطي الأولوية في الهجرة لعناصر الشباب أي هؤلاء القادرين على حمل السلاح. ولليهود في فلسطين فرقا يهودية كشفية تضمها جمعية رياضية باسم (المكابيين) والأعضاء المنتمون إلى هذه الفرق جميعهم من الشبان والشابات المتحمسين للوطن اليهودي وخصوصا شباب الإصلاحيين أتباع جابوتنسكي وترمبلدور يتعلمون الفنون العسكرية تحت ستار الألعاب الرياضية ." [4]

 

     حول الأهمية الدعائية لهذا المهرجان فقد أشارت صحيفة هآرتس الصهيونية في آذار عام 1935 "أننا لا نبالغ إذ نقول أن دوائر عديدة في دول مختلفة بدأت تنظر باهتمام إلى الوطن القومي اليهودي وذلك بفضل الشعبية التي أحاطت هذا المهرجان" . وفي مقال آخر  للصحافة الصهيونية في ذلك الوقت تقول " إن رقما قياسيا واحدا يحرزه رياضي يهودي يكسب أصدقاء غير يهود ألف مرة أكثر من الدعاية والصحافة"،[5] كما وعلل القادة الرياضيون الصهاينة أهمية هذا المهرجان بأن كان له أثر سيكولوجي على اليهود الأوروبيين لأنه جمع ووطد الترابط المعنوي بين يهود الشتات وفلسطين.

  يشير هيرمان للوير Herman Lelewer أحد قادة المكابي أن هذا المهرجان قد أنقذ الكثير من اليهود من حالة اليأس التي كانوا يعانون منها وأن هذا المهرجان سوف يكون حافزا من أجل أن يقاتل يهود فلسطين ويهود الشتات  جنباً إلى جنب من أجل إعادة بناء الدولة اليهودية ، كما أن القيمة الثقافية لهذا المهرجان تكمن في أنها أبعد بكثير من قيمته الترفيهية .[6] وتكتب هنرييتا سزولد (Henrietta Szold) العضو البارز في القيادة الصهيونية في  صحيفة (بالستين بيوليتن) وتوجه حديثها إلى الضيوف والمشاركين في هذا المهرجان "إن  شعاراتكم  وأهدافكم وانجازاتكم  التي حققتموها تدل على أنكم اكتشفتم في إسرائيل حقيقة مهملة.... أنتم تعبرون بتوكيد خاص عن الحقيقة التي نحن كلنا نقبلها وهي أن العودة إلى هذه الأرض هي الفرصة للعودة لحياة إنسانية طبيعية". [7] ويقول جوزيف يكوتيلي Yakutieli Joseph أحد قادة المكابي بعد عدة سنوات أن الاعتراف بأرض إسرائيل من قبل الاتحادات الدولية كان نتيجة لمهرجان المكابياه.[8] لقد اعتبر الصهاينة أن هذا المهرجان قد شكل نصراً لهم وذلك باستخدامهم لكل الوسائل من أجل إنجاحه، لقد كانوا على يقين تام بالأهمية المعنوية والدعائية لهذا المهرجان.

    من المهم أن نفهم في هذا الصدد  أن الفلسطينيين لم ينظروا إلى المهاجرين اليهود كلاجئين من الاضطهاد كما كان ينظر إليهم من قبل معظم العالم. بل كانوا يرونهم كمتطفلين أوروبيين متعجرفين لم يقبلوا أن الفلسطينيين شعب أو لديهم حقوق وطنية في بلدهم ، وبدلا من ذلك اعتقدوا أن فلسطين ملك لهم ، وكانوا مصممين ببرود على تحويل هذا الاعتقاد إلى حقيقة. [9]


           لا احد ينكر أنه كان هناك تقدم ملحوظ في مستوى الرياضة اليهودية التي كانت تسبق في متسواها التنظيمي الرياضة العربية، فالمهاجرون اليهود قد هاجروا إلى فلسطين من دول صناعية متطورة حاملين معهم خبرة وثقافة من ضمنها الرياضية. وحول هذه المسألة يشير وليد الخالدي إلى أن الصهاينة كانوا يمنتمون إلى مجتمع غربي صناعي اشتراكي، ذي مركزية التنظيم وقد قادت هذا المجتمع نخبة من الإداريين والملتزمين الذين كانوا يملكون الثقة العالية بكفاءتهم نحو طبيعة الأمور.[10] بدون شك أن الصراع في فلسطين كان بين ثقافة متقدمة وثقافة متخلفة نسبياً ، تقليدية إلى حدٍ ما. [11] كما أن وعي القيادات الصهيونية لأهمية الرياضة في تحقيق اهدافها المرجوة في فلسطين كان يفوق ما هو عند القيادات العربية، ناهيك عن الدعم الذي كانت تتلقاه الرياضة اليهودية من المؤسسة الصهيونية والتسهيلات التي قدمتها سلطات الانتداب لها بمجموعه اعطى دفعة قوية لتطور الرياضة في الوسط اليهودي.

 

    يشير إلياس شوفاني إلى أن الصهيونية اصطدمت بمقاومة فلسطينية عنيفة ، التي لمن تكن تتوقعها ، ولم تعد لها العدة. وحاولت أن توظف سلطات الانتداب في قمعها اخضاعها ، وبصورة فظة ، املتها عليها تطلعاتها المفرطة في غلوائها، من جهة، وعدم اهليتها الذاتية لتجسيد تلك التطلعات من جهة اخرى. وإذ لم يكن في قدرتها تهويد فلسطين باليهود، فقد ارتأت تحقيق ذلك الغرض بتغييب شعبها عنها. فمارست الاوساط الصهيونية ضغوطا على حكومة الانتداب للتضييق على العرب الفلسطينيين لتهجيرهم . وقامت وسائل الاعلام الصهيونية بحملة واسعة لتغييبهم حضاريا ، وحتى لنفي وجودهم المادي الجسدي، وتشويه وجههم الحضاري بتحميلهم وزر ما لحق بالبلد من خراب، وأنها أصبحت صحراء قاحلة تستصرخ المستوطنين لإعمارها، كما ادعت أبواق الاعلام الصهيوني . وكان كلما زاد تواطؤ سلطات الانتداب مع الاهداف الصهيونية، وتحرك الطرفان لتجسيد وعد بلفور، ولّد ذلك ردة فعل مضادة من جانب العرب الفلسطينيين ، وزاد في احتدام التناقض بين الطرفين في حركة لولبية متصاعدة ، الامر الذي رفع حدة المواجهة بينهما، وصولا الى الثورة.[12] والرياضة لم تكن بمعزل عن كل هذه الممارسات الصهيونية فهي كعنصر ثقافي ونشاط أساسي للأندية تعرضت أيضا للتغييب حضاريا والتهميش الذي ولّد لديها رد فعل تمثل في عدم التعاون مع الجانب الصهيونية.

  

    في عام 1928 يكتب المفكر الصهيوني آرثر روبين Arthur Rubin الذي يوصف من قِبل كاتب إسرائيلي كعراب الاستيطان الصهيوني في فلسطين:

   "اتضح لي مدى صعوبة إدراك الصهيونية بطريقة تتوافق مع متطلبات الأخلاق العالمية. وهذا يقلقني كثيراً." هذا لم يقله زعيم معادٍ للصهونية أو للسامية ، بل مفكر وقائد صهيوني متحمس. وفي هذا السياق أيضا يقول موشه شاريت Moshe Sharett أول وزير خارجية لإسرائيل وفيما بعد رئيساً للوزراء "لقد أدركتُ أن دولة إسرائيل ليس بمقدورها أن تُدار في أيامنا هذه إلا بالخداع والمغامرة." هذا الخداع الذي كان يشمل كل الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية بما فيها الرياضية. 


  

المراجع



[1] Edward Said, The Question of Palestine (New York: Vintage Books, 1980), p. 18.

[2] عصام الخالدي ، اللقاءات الرياضية العربية اليهودية في حقبة الانتداب البريطاني في فلسطين ، أنظر:

http://www.hpalestinesports.net/2015/06/blog-post_24.html#more

[3] عيسى السفري ، فلسطين بين الانتداب والصهيونية، مكتبة فلسطين الجديدة ،  يافا ، 1937. الكتاب الأول ، ص 215- 216.

[4] عيسى السفري ، مصدر سابق ، ص. 21-22.

[6] Dr. Herman Lelewer, “Die ErsteMaccabia,” “First Maccabiah File”, MWUA; J. Yekutieli, HishtatfutErez-Israel be-Misehakim ha-Olympim, Haaretz, March 29, 1935, p. 12.

[7]Eisen G.، مصدر سابق

[8]Palestine Bulletin, April 2 1932.

 

[10] Khalidi Walid. Palestine Reborn (London: Tauris and Co, 1992).

[11] Edward Said, The Question of Palestine. p.8.

[12]  إلياس شوفاني. الموجز في تاريخ فلسطين السياسي (منذ فجر التاريخ حتى سنة 1949) ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية بيروت 1998. ص. 408.

No comments:

Post a Comment