عصام الخالدي
يلقي هذا المقال الضوء على الأسس التي ترتكز عليها الرياضة الفلسطينية والتي تعطيها جوهرا مميزا وتساعد في تطورها وبروزها على صعيد محلي وعربي ودولي بشكل أمثل . كما ويلقي الضوء على تطور الحركة الرياضية ونجاحاتها والتحديات التي تواجهها الحركة الرياضية اليوم ، ويضع السؤال المطروح الآن "ما هو مستقبل الرياضة الفلسطينية" خاصة في ظل ظروف الإبادة الجماعية التي يشهدها قطاع غزة ومحاولة الاحتلال استخدام أساليب التطهير العرقي في الضفة الغربية بالإضافة إلى انتهاكات وجرائم المستوطنين اليومية بحق الفلسطينيين التي لها تأثيراتها المدمرة على كل مناحي الحياة بما فيها الرياضية.
إن أكثر ما يميز الرياضة
الفلسطينية هي سمتها الوطنية والفكرية ، وتأثرها وخضوعها لظروف التشرد والشتات
التي مر ويمر بها الشعب الفلسطيني ، وعلاقتها بالأوضاع السياسية ، وتصديها للهيمنة
الصهيونية على الحركة الرياضية بدعم وتواطؤ سلطات الانتداب البريطاني. وكان لنكبة
عام 1948 وتشرد الشعب الفلسطيني واحتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة آثاره
الكبيرة على مسيرة الحركة الرياضية. وليس هناك أي حركة رياضية في العالم أجمع مرت
في الظروف التي مرت بها حركتنا الرياضية ، هذه الظروف التي تمثلت بالتشرد
والمعاناة والمواجهة مع الخصم الغاصب والمحتل الصهيوني.
واليوم ترى إسرائيل في الرياضة الفلسطينية سلاحا جديدًا يبرز هوية الشعب
الفلسطيني ويشكل شوكة في حلقها ، خاصة أن الرياضة الفلسطينية أصبحت اليوم تكسب
احترام وتعاطف دولي هائل ، وذلك بسبب التعاطف الذي أبداه العالم لفلسطين منددا
بجرائم إسرائيل وحرب الإبادة الجماعية التي تشنها في قطاع غزة. ومن الجدير بالذكر
أيضا أن الرياضة الفلسطينية أصبحت وسيلة من أجل فضح ممارسات إسرائيل التعسفية
وإبراز جرائمها للعالم ، فعلى سبيل المثال فقد كان وقع خبر استشهاد "بيليه
الكرة الفلسطينية" سليمان العبيد عندما كان ينتظر دورة لتلقي مساعدات غذائية
لأطفاله الخمسة صادما ومؤلما للكثيرين من رياضيي العالم ومن بينهم اللاعب المصري
محمد صلاح.
كما وتتميز الرياضة الفلسطينية (منذ عشرينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا)
في ارتكازها على اسس اجتماعية ، فهذه الأندية كانت وما زالت ترتكز على الدعم
الاجتماعي بالإضافة إلى التفاني الذي يظهره اعضاء ومسؤولو الأندية في نشاطاتها
المتعددة (الثقافية والاجتماعية والرياضية وغيرها) ، وفي إدارتها وتنظيم عملها
. وقد طورت
الأندية الاجتماعية والرياضية منذ عشرينيات القرن الماضي أنظمة إدارتها وفقًا للبنية الاجتماعية والنزعة الثقافية والوطنية للمجتمع
الفلسطيني.
ومن المؤكد أنه كلما انتشر الاحتراف كلما فقدت الرياضة أصالتها
وجوهرها الاجتماعي الذي نمت عليه. ولكن تبقى الأندية في فلسطين بجوهرها اجتماعية ،
مختلفة تماما عن الأندية في الغرب بغض النظر عن الاحتراف الذي لا يشكل جزء كبيرا
من لاعبيها. وهناك ما زال التفاف كبير لفئات اجتماعية حول أنديتها تؤازها و تدعمها
بشتى الوسائل الممكنة. وفي النهاية فإن الاحتراف هو واقع فرضته العولمة الرياضية
ويتوجب قبوله.
أما الأسس التنظيمة فقد بدأت منذ اربعينات القرن الماضي بعد إعادة تأسيس
الاتحاد الرياضي الفلسطيني في عام 1944 ، وتطورت إلى يومنا الحاضر رغم ظروف التشرد
والشتات والاحتلال وغيرها. وكانت لكل مرحلة تاريخية وسياسية ميزاتها التنظيمية.
والآن هناك اتحادات لكل أنواع الرياضة ، وهي أعضاء في اتحاداتها العربية والدولية.
بالإضافة إلى اللجنة الأولمبية الفلسطينية المسؤولة عن إعداد الرياضيين للمشاركة
في الألعاب الأولمبية وتنظيم الأمور الأولمبية . ولقد شهدت فترة الثلاثين سنة
الأخيرة عملية إعداد المدربين والحكام (الذين وصل بعضهم إلى مستوى دولي) ، ومشاركة
أعضاء فلسطينيين في لجان اتحادات رياضية
عربية ودولية.
وحول الأسس الصحية فعندما نتحدث عن الرياضة فإننا لا نقصد فقط الرياضة الكبرى (التنافسية
والتي يظهر بها اللاعب امكاناته القصوى) بل أيضا عن الرياضة الصغرى (الصحية ،
مراكز الرياضة الصحية ، ممارسة الرياضة من أجل أهداف صحية وترفيهية) . لم تشمل
الرياضة فئة كبرى من السكان ، لأن الاهتمام دائما ينصب على الرياضة الكبرى. وهناك
مهام على العاملين في المجال الرياضي هو العمل على جعل الرياضة جزء مقوم من حياة
المواطن وعادة يومية يواظب عليها. وتوعية المواطن بأن الاهتمام بالصحة هو نشاط
وطني بحد ذاته. أيضا يجب العمل من خلال الرياضة على محاربة نمط الحياة الفوضوي
(النقص الحركي ، التدخين ، الغذاء ، النوم ، التوتر). بالطبع لا ننسى هنا دور
الاحتلال والمستوطنين والانتهاكات اليومية التي يمارسانها ضد المواطنين الفلسطينيين التي لها انعكاساتها على صحة
المواطن الفلسطيني البدنية والنفسية.
من المعروف أن معظم النجاحات التي تحققها الدول المتقدمة في المجال الرياضي
اليوم تعزى إلى ارتكاز الرياضة على الأسس العلمية التي تحدث تحولات جذرية على أداء اللاعبين
ومنهجية التدريب. واليوم هناك أقسام للتربية
البدنية في عدة جامعات ومنها من يمنح شهادة الماجستر والدكتوراة ، وهذا ما يجعل
أساتذة التربية البدنية والمدربون أكثر كفاءة وتأهيل. وقد حان الوقت لأن يكون هناك
تنسيق اكبر بين هذه الجامعات والاتحادات الرياضية واللجنة الأولمبية في مجال
التدريب والبحث والإدارة والتنظيم والاستشارات العلمية . أيضًا يتوجب على جامعاتنا
إجراء البحوث والدراسات من أجل رفع أداء
اللاعبين والفرق الرياضية الفلسطينية.
وبصدد الأسس الديمقراطية فقد كانت الرياضة قبل اتفاقيات أوسلو ترتكز على
قاعدة شعبية واجتماعية واسعة خالية من المحسوبيات والبروقراطية ، قائمة على أسس
ديمقراطية. ونراها اليوم تعاني من غياب الديمقراطية في صنع القرار ، ولفترة طويلة
كانت هناك نزعة حزبية تهيمن على الرياضة الفلسطينية (في الضفة والقطاع). ومن
المعلوم أن حركة فتح (التي تشكل جزء كبيرا من السلطة الفلسطينية) كانت قد انتهكت
حقوق رياضية لحركة حماس في الضفة الغربية المحتلة ، وكذلك قامت حركة حماس في قطاع
غزة بانتهاك الحقوق الرياضية لأفراد حركة فتح عندما سيطرت على القطاع في عام 2007.
تطور الرياضة الفلسطينية
رغم
الشتات والظروف الصعبة التي مر بها الشعب الفلسطيني وغياب دولته المستقلة وقبوعه
تحت الاحتلال ، إلا أنه استطاع أن يحقق نجاحات على صعيد رياضي بدأت في أربعينات
القرن الماضي واستمرت بعد النكبة حتى وقتنا الحاضر. وقد تمثل ذلك في مشاركة فلسطين
في دورات الرياضة العربية في الخمسينات ، وتأسيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم في
الستينات ومحاولته الانضمام إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم في الستينات ، وتأسيس
المجلس الأعلى للشباب والرياضة في نهاية الستينات ، وتأسيس رابطة الأندية في الضفة
الغربية وقطاع غزة في
السبعينات والتي استمر نشاطها حتى توقيع اتفاقية اوسلو وإقامة السلطة الفلسطينية
في قطاع غزة والضفة الغربية. في عام 1993 بدأت الرياضة الفلسطينية مرحلة جديدة بعد
أن تم حل رابطة الأندية واستبدالها (مثلها مثل كل منظمات المجتمع المدني) بمؤسسات
"دولة" ، وانتقال الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم واتحادات اخرى
من الشتات إلى قطاع غزة ثم
إلى الضفة الغربية.
استمرت
الرياضة الفلسطينية مع اتفاقيات أوسلو وزيادة الاستيطان ونقاط التفتيش وبناء
الجدار العازل وفصل الضفة عن بعضها البعض وعن القدس ، وتهميش منظمة التحرير
الفلسطينية وتباعد فلسطينيي الشتات لتأخذ شكلا مميزا مختلفا عما كانت عليه من قبل
، حيث خضعت للمتغيرات التي بدأت تتبلور بعد اتفاقات أوسلو والتي كان لها آثارها
السلبية على كل مناحي الحياة بما فيها على الرياضية.
سمة المرونة وقابلية التكيف
هناك صفتان كانتا دائما ملازمتين للرياضة الفلسطينية
هما المرونة Resiliency
، وقابلية التكيفAdaptability في
الظروف الصعبة المختلفة
، فالمرونة تؤكد على أن هذا الشعب في كل مرة يتلقى بها الضربات يعود أقوى وأكثر
صمودا من ذي قبل . وهذا ما يذكرنا بما
قاله المناضل الليبي عمر المختار متحديًا المستعمر الإيطالي "الضربة التي لا
تقسم الظهر تقويه." أما قابلية التكيف هي أن الرياضة استطاعت التعايش مع كل
الظروف سواء في مرحلة ما بعد النكبة في المخيمات ، أو خلال الاحتلال الإسرئيلي
للضفة والقطاع ، أو في مرحلة ما بعد توقيع اتفاقيات أوسلو التي لم تجلب سوى
العواقب الوخيمة للشعب الفلسطيني.
ورغم العوائق التي نجمت وتنجم عن وجود وممارسات الاحتلال ، ومحاولته وضع
العراقيل أمام الرياضة الفلسطينية ، إلا أنه هناك تطور ملحوظ على كافة أنواع
الرياضة الفلسطينية. وقد استطاع الرياضيون الفلسطينيون أن يبرزوا على صعيد محلي
وعربي (المشاركات في دورة الألعاب العربية والبطولات العربية) ودولي (تصفيات كأس
العالم والألعاب الأولمبية والبطولات الدولية) ، حيث ظهر العديد منهم في السباحة
والملاكمة والكراتيه والتايكوندو وكمال الاجسام ورفع الأثقال وألعاب القوى وغيرها
، استطاعوا أن يحققوا نجاحات على مستوى محلي وعربي ودولي. كما وصلت الفرق
الفلسطينية في كرة القدم والسلة إلى
مثيلاتها في الدول العربية. وليس من السهل قياس هذا التطور ، ولكن هذه النجاحات والفوز الذي تحققه فرقنا
ورياضيونا على مستوى عربي ودولي هو أكبر دليل ومؤشر على ما وصلت إليه الرياضة
الفلسطينية.
بغض النظر أن عضوية فلسطين في الفيفا أتت في ظل اتفاقيات أوسلو وإدارة
السلطة الفلسطينية بعد جهود طويلة ومحاولات عديدة ، إلا أنه من الصعب تجاهل
التأثيرات الإيجابية لهذه العضوية على كرة القدم بشكل خاص والرياضة الفلسطينية
بشكل عام ، والتي اهمها ظهور فلسطين على خارطة العالم الرياضية ، وإبراز الهوية
الوطنية الفلسطينية إسمًا وعلمًا وشعبًا وقضية. ويجب التنويه أن الرياضة
الفلسطينية لا تقتصر على النشاط الكروي فحسب ، بل على كل أنواع الرياضة ، ويجب أن
لا ينظر إلى كرة القدم على أنها مرادف للرياضة الفلسطينية ، بل هي جزء مقوّم من
هذه الرياضة ككل ، لذلك فإن أي نجاح في النشاط الكروي هو جزء مكمل لنجاح الرياضة
الفلسطينية.
في ظل الظروف الراهنة خاصة حرب الإبادة التي يشهدها قطاع غزة هنا يبرز
سؤالان: أولا ، ما هي التحديات التي تقف أمام الرياضة الفلسطينية؟ ثانيا ، ما هو
مستقبل الرياضة الفلسطينية؟ بالطبع هناك تحديات أخرى غير الاحتلال وهي اجتماعية
وثقافية وتنظيمة وإدارية واقتصادية إلا أن وجود الاحتلال الذي يتمثل بإعاقة حركة
الرياضيين واستهدافهم ، وإعاقة استيراد المعدات الرياضية ، وتدمير البنى الرياضية
التحتية وغيرها) يبقى العامل العائق الأكبر لتطور الحركة الرياضية الفلسطينية.
مستقبل الرياضة
الفلسطينية
أما فيما يتعلق بمستقبل
الرياضة الفلسطينية فهذا يعتمد على استقرار الأوضاع السياسية وعلى إنهاء الاحتلال
وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ، وعلى
وحدة الفلسطينيين وفصائلهم. بالطبع هناك تفاوت في وقتنا الحاضر بين المستوى
الرياضي في الضفة الغربية وفي قطاع غزة الذي أصبح فريسة للإبادة الجماعية التي
تنتهجها إسرائيل ، وتعرض لدمار كبير في بنيته الرياضية التحتية واستشهاد ما يقارب
من الثمانمائة رياضي. ولكن أيضا يجب أن لا
يغرب عن البال ما تتعرض له الضفة الغربية من محاولة التطهير العرقي وجرائم
المستوطنين التي تتزايد يوما بعد يوم ، واستخدام نفس الأساليب التي تستخدمها
إسرائيل في قطاع غزة Gazafication
، والتي سوف يكون لها آثارها الوخيمة في المستقبل على كل جوانب ومجالات الحياة بما
فيها الرياضية. إيضًا وكما ذكر سابقا أنه بسبب اتفاقيات أوسلو تم إبعاد رياضة
الشتات (خاصة في لبنان وسوريا) وتركيز الرياضة على قطاع غزة والضفة الغربية ، وقد
أدى هذا الإجحاف بحق الشتات إلى فقدان التوازن
في كل المجالات والتي منها الرياضية.
وعلى
صعيد قطاع غزة فإن عودة الرياضة إلى ما كانت عليه هي عملية صعبة وتحتاج إلى وقت
وجهود كبيرة وظروف ملائمة ولكنها ليست مستحيلة . ولا شك أن أهل غزة الذين أفشلوا
مخطط التطهير العرقي وصنعوا المعجزات بصمودهم وبطولاتهم ، سوف يستطيعون إعادة بناء
حياتهم وإعادة نشاطهم الرياضي الذي له جذور وتاريخ من النجاحات والإنجازات.
أيضا من الصعب فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية لأن الرياضة في القطاع هي جزء
لا يتجزأ من الرياضة الفلسطينية بشكل عام ،
والمراد في النهاية (بعد إنهاء الاحتلال) هو دمج كامل للرياضة في القطاع والضفة والشتات
تحت إدارة رياضية واحدة ، في ظل حكومة فلسطينية واحدة تضم جميع الفصائل
الفلسطينية.
إن مستقبل الرياضة
الفلسطينية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحاضر وبالتحديات التي تواجهها الحركة
الرياضية الفلسطينية ، هذا الحاضر بمعطياته ووقائعه ينبىء بمستقبل غير مطمئن
للحركة الرياضية بشكل عام ، حيث يتضح بشكل متزايد أن العديد من الرياضيين في غزة
أصبحوا يفقدون ثقتهم بالمستقبل بسبب الظروف المعيشية الصعبة وحالة عدم اليقين التي
يواجهونها حاليًا ، لأن الرياضة بالنسبة لهم اصبحت ليس مجرد نشاط تنافسي وترفيهي وصحي فحسب، بل ذكريات ومشاعر
وعواطف ، وآلام ، وطموح ، وجزء لا يتجزأ من الماضي المجيد والحاضر الأليم
والمستقبل غير المرئي.
لقد علمتنا التجارب أنه في كل مرة يتلقى بها شعبنا الضربات يعود أقوى مما
كان عليه من قبل. وهذا يذكرنا بعبارة "شعب الجبارين" التي كان يرددها
دائما الرئيس الراحل ياسر عرفات. ومن المؤكد أن استمرارية الحركة الرياضية
الفلسطينية مرتبطة ببقاء شعبنا على ارضه ، وبالتعاطف الدولي معه ومع قضيته العادلة
، وبمقاومته للمحتل وصموده ، وبإفشاله كل مخططات هذا المحتل في
التطهير العرقي لشعبنا ، وبوأد احلامه في إقامة دولة "إسرائيل الكبرى".
لقد رافقت الرياضة
الجزائرية الثورة إبان حرب التحرير، وعندما انتصرت هذه الثورة انتصرت معها الرياضة
الجزائرية ، وتطورت وحققت النجاحات. لذلك ليس أمام رياضتنا إلا مرافقة النضال
الثوري الفلسطيني من أجل بناء دولة
فلسطينية مستقلة ومستقبلٍ زاهر.

No comments:
Post a Comment