Saturday, December 23, 2023

الرياضة الفلسطينية وأيديولوجيا التحرر الوطني

             

    عصام الخالدي 


     تعرف الأيديولوجية بأنها مجموعة منسقة من الأفكار والمعتقدات خاصة فيما يتعلق بحياة الإنسان أو ثقافته، كما يمكن تعريف الأيديولوجية بشكل أكبر على أنها تحتوي على محتوى صريح وافتراضات ضمنية. [i] وقد توجد الأيديولوجيات في كل ثقافة وفي أشكال مختلفة دينية وعلمانية، وترتكز معظمها على أفكار غير قابلة للاختبار ومتأصلة في القيم والافتراضات الأساسية لكل ثقافة. ورغم أن الأيديولوجيات ترتكز على افتراضات غير قابلة للاختبار، فإن تأثيراتها واضحة للغاية، فهي تقوم بتوجيه وعينا وسلوكنا وعواطفنا ووجودنا الاجتماعي .

 

    يشير جون هوبرمن John Hoberman إلى أن العلاقة بين الرياضة والأيديولوجيا السياسية واضحة باستمرار، لكنها نادراً ما تخضع لدليل مقنع. ويرجع ذلك إلى حقيقة أنه على الرغم من أن الرياضة قد تكون بمثابة إعلان لأيديولوجية معينة – بل لأي أيديولوجية تقريبًا – إلا أن هذا ليس هو النوع الأعمق من العلاقة التي تربط الرياضة بالمجال السياسي. لأنه إذا كان بإمكان أي أيديولوجية سياسية أن تعلن عن نفسها من خلال الرياضة، فإن هذا في حد ذاته يوضح أنه على هذا المستوى لا يوجد شيء مميز على الإطلاق في العلاقة التي تنشأ بين الرياضة وأي أيديولوجية معينة. على هذا المستوى، تعمل الرياضة كوسيلة غير متمايزة لتأكيد الذات من قبل الدولة. إن الشكل المحدد الذي تتخذه كثقافة ليس له أي أهمية؛ إن كونها تخدم المجد الأعظم للدولة – أي دولة – هو المعيار الوحيد للاستيلاء عليها واستخدامها. [ii]  

 

  إن علاقة الرياضة بالسياسة هي أنها تعتبر قوة ناعمة ، ليس لها تأثير كبير على السياسة ، فهي لم تكن عاملا فعالا في الاتفاقيات الدولية ومؤسساتها، ولم تكن بديلة عن المؤسسات الحكومية والدولية المعنية بحل شؤون دولية معقدة، إلا أنها وكما قال الزعيم والمناضل الجنوب إفريقي نلسون منديلا بعد فوز بلاده في بطولة العالم في الرجبي عام ١٩٩٥ عن الرياضة أنها "قوة باستطاعتها تحريك مشاعر الناس بطريقة يعجز عنها أي شيء آخر." ويتفق علماء الاجتماع الرياضي على أن التاريخ المجيد وقِيمه المادية وإنجازاته لا ترقى إلى مستوى الرياضة في إثارة المشاعر الوطنية وتعزيز روابط التضامن الوطني لهذا المجتمع.

  

   كانت الرياضة عنصرا من عناصر الأيديولوجيا الصهيونية وكان الهدف منها هو إبراز وتعزيز الفكر الصهيوني وبناء الدولة اليهودية ، فمنذ نهاية القرن التاسع عشر أصبح لها تفسير مميز في العقل الصهيوني، وبصفتها عنصراً ثقافياً وشكلاً من أشكال الوعي الاجتماعي فقد تم استخدامها كوسيلة من أجل إعادة بناء الحس القومي وخلق "رياضة يهودية" تقوم بتحويل المشاعر والمفاهيم الدينية التاريخية إلى قومية صهيونية (مثل المكابي والبيتار وبار كوخبا)، وهي أيضا في الفكر الصهيوني وسيلة من أجل بعث حياة جديدة بدنيا واستعادة اللغة والأدب والتاريخ. وكان هناك اعتقاد لدى القادة الصهاينة أن هدف إقامة دولة إسرائيل لا يتحقق إلا إذا سبقه إعداد بدني وروحي ومعنوي للأجيال التي كان عليها تحقيق هذا الهدف، وأنه لا وطن واحد دون ثقافة واحدة (حيث اعتبرت الرياضة جزء مقوماً لهذه الثقافة).

 

   في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام ١٨٩٧ تم طرح فكرة "اليهودي الجديد" الذي يجب أن يختلف عن "يهودي الشتات" في الشكل والأخلاق. وفي هذا المؤتمر أيضاً تم نبذ اليهودي المترهل وذلك عندما طرح ماكس نوردو (أحد معاوني هرتسل) فكرة العضل اليهودي الذي كان تعبيرا عن خلق جيل جديد مشابه بصفاته البدنية لذلك الجيل إبان الدولة اليهودية القديمة. لقد أرادت الصهيونية رفع اليهودية إلى مرتبة أسمى عن طريق بعث المثل العليا وتربية الجيل الجديد بدنياً الذي بدوره يساعد في إعادة "العضل الصهيوني الضائع".

 

   أما على الصعيد الفلسطيني فقد كانت الأيديولوجيا الفلسطينية على مدى عقود عدة مرتكزة على فكرة التحرر الوطني وحق تقرير المصير وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة. يكمن الهدف الأساسي لاستخدام الرياضة ضمن الأيديولوجيا الوطنية الفلسطينية في إثبات الهوية الوطنية والتصدي لحملات تشويه هذه الهوية والوجود الفلسطيني، بالإضافة إلى فضح ممارسات الاحتلال. ويختلف استخدام الرياضة لأهداف أيديولوجية (في الحالة الفلسطينية) تماما عن استخدام الأنظمة الشمولية في تكريس الرياضة من أجل الدعاية الأيديولوجية وذلك كما حدث في الاتحاد السوفياتي السابق والصين (عكس الغرب الذي يستغل الرياضة من أجل تحقيق التسويق Commercialization وتحقيق الأرباح). وما يميز ارتباط الرياضة بأيديولوجيا التحرر الوطني الفلسطيني هو خضوعها للظروف السياسية وتفاعلها الدائم مع الأخطار المحدقة بالشعب الفلسطيني ومعاناته اليومية تحت الاحتلال. 


   لم تكن الحركة الوطنية الفلسطينية منذ عشرينيات القرن الماضي على علمٍ بالدور الذي ممكن أن تلعبه الرياضة في تربية الأجيال الناشئة وصقل أجسادها وشحنها بروح الإخاء وحب الوطن، وجعلها وسيلة وطنية من أجل إبراز الهوية الوطنية، فهي لم تضعها ضمن اجندتها الوطنية – الفكرية، كما ويعود السبب في ذلك أيضاً إلى ضعف بنية الرياضة في فترة العشرينات والثلاثينات. وكان استخدامها ضمن هذه الأجندة الوطنية الفكرية فقط عندما شعر الفلسطينيون بالهيمنة الصهيونية على الرياضة، أولاً، بعد إقامة الصهاينة لمهرجاني المكابياد Maccabiad في عام ١٩٣٢ و١٩٣٥ (مهرجان صهيوني رياضي كشفي على نمط الألعاب الأولمبية أقيم في تل أبيب) عندما دعت الحركة الرياضية والكشفية ومؤتمر الشباب إلى إقامة مهرجان رياضي كشفي في تموز ١٩٣٥ حسَب له الصهاينة ألف حساب. ثانيا، بعد اشتداد حدة الصراع بينهم وبين الصهاينة وخاصة بعد إعادة إنشاء الاتحاد الرياضي الفلسطيني، فعندما شعر الفلسطينيون في نهاية الثلاثينات وبداية الأربعينات بعمق الهيمنة الصهيونية وبحالة الشرذمة التي كانت تعاني منها الحركة الرياضية العربية أخذوا بتجميع قواهم وأعادوا تشكيل الاتحاد الرياضي الفلسطيني في عام ١٩٤٤ (الذي تأسس في عام 1931) ، واستمر هذا الاتحاد بالعمل حتى نهاية عام 1947 ، وكان مناوئاً للاتحاد الفلسطيني لكرة القدم الذي كان يهيمن عليه الصهاينة في عام ١٩٤٤ الذين حاولوا تمثيل فلسطين في الاتحاد الدولي لكرة القدم مما دفع الأول لتقديم طلب إلى الاتحاد الدولي لتمثيل فلسطين، ولكنه ووجه بالرفض لأنه حسب ادعاء الاتحاد الدولي لا يمكن لفلسطين ان تُمثل باتحادين. 

 

   ولكن رغم ذلك فإن هذه المحاولة للانضمام للاتحاد الدولي شكلت بحد ذاتها صراع فكري حول حق الفلسطينيين الذين كانوا يشكلون النسبة الكبرى من السكان بتمثيل فلسطين في الاتحاد الدولي. وكانت هذه خطوة خارجة عن نطاق اجندة الحركة الوطنية وغير مشمولة فيها بالرغم من أنها كانت تصب في النهاية في مصلحتها. ويجب ألا يغيب عن البال أيضا أن انطلاق منظمة النجادة شبه العسكرية في اربعينات القرن الماضي كان من رحم النادي الرياضي الإسلامي، وهذا دليل على النزعة الوطنية الفكرية للأندية العربية في فلسطين في تلك الفترة. أيضاً فإن وجود الكثير من الفرق الكشفية ضمن الأندية الرياضية الاجتماعية في فلسطين عمل على تعزيز الروح الوطنية لدى الشباب الفلسطيني، حيث كانت هذه الفرق الكشفية تعزف الأناشيد الوطنية وترفع الأعلام الفلسطينية مما كان له أثراً كبيراً في بث الروح الوطنية لدى المواطنين.

 

    لقد كان ظهور النزعة الوطنية للرياضة الفلسطينية منذ العشرينيات بمثابة رد فعل مستمر على هيمنة وممارسات الجانب الصهيوني على الساحة الرياضية من جهة وعلى دعم الانتداب له من جهة أخرى، وليس لأن الرياضة كانت مكوناً أساسياً ضمن جدول أعمال الحركة الوطنية الفلسطينية يمكن استخدامها لأهداف وطنية فكرية. 

 

   هناك عامل آخر جدير بالذكر وهو أن الرياضة كانت عنصرا من عناصر الحداثة التي دخلت المنطقة العربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فقد تكرس وجودها مع دخول الإنجليز إلى فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى . وكان من الواضح أن تَبَنّي هذه الحداثة والتي من ضمنها الرياضة كان شكلياً وليس ضمنياً، أي أنه كان ينظر إلى الشكل والقشرة فقط دون والوعي للبها وجوهرها بأنها أكثر من نشاط حركي تنافسي، لها وظائف عديدة في المجتمع وممكن تسخيرها لتعزيز المشاعر الوطنية وإثبات الهوية الوطنية وتكريس الصفات الأخلاقية وصقل شخصية الجيل الناشىء بروح العطاء والانتماء وغيرها من الفوائد والطاقات الكامنة بها التي تعمل على تقدم المجتمع والوطن. لذا فإن عدم فهم هذه النواحي وإدراكها يعكس فشل الحداثة الذي شمل أيضا نواحٍ اخرى فكرية وثقافية وتكنولوجية وغيرها.

 

    يعتبر الاهتمام بالجسد نشاطاً مرتبطاً بالعمل الوطني ولا ينفصل عنه، لأن هذا النشاط يلبي متطلبات المجتمع والوطن والتي منها خلق المواطن الصالح. وهذا ما لم تعهِ الحركة الوطنية، لذلك فهو لم يشمل ضمن اجندتها الوطنية، فهي لم تعمل على جعل التمرين البدني جزء من حياة افرادها، ولم تول الاهتمام بالدعوة للاعتناء به. إن المقصود هنا بالاهتمام بالجسد هو الوعي الصحي له والعمل على تقويته ووقايته من الأمراض والوصول به إلى حالة الكمال. وهذه الظاهرة لم تقتصر على ممثلي الحركة الوطنية، بل أيضا وكما أشرنا في مقالات أخرى على المثقفين. فتاريخ فلسطين الحديث فيه أمثلة قليلة من مثقفين (مثل الأديب والمربي خليل السكاكيني) جعلوا التمرين البدني جزء هاما من حياتهم وذلك لوعيهم بأهميته وتأثيره على الجسم والعقل معا حيث قاموا أيضا بالدعوة لنشره بين افراد المجتمع.

 

    بعد النكبة بدأ نشوء عدد كبير من الأندية الاجتماعية الرياضية ومراكز الخدمات التابعة لوكالة الغوث لتشغيل اللاجئين UNRWA في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في مراكز الشتات. وكان لهذه الأندية دور اجتماعي ووطني وفكري استطاع نشاطها الرياضي في وقت لاحق ومع نموها وتطورها أن يكون له صدىً وطنياً وفكرياً وسياسياً. 

 

   إن مشاركة فلسطين في دورات الألعاب العربية وفي دورة الصداقة GANEFO في بنوم بنه  في كمبوديا في عام ١٩٦٦ كان بمثابة إظهار الهوية الوطنية الفلسطينية وإثبات وجود الشعب الفلسطيني. بعد النكبة وعندما أصبح مركز ثقل الحركة الرياضية الفلسطينية في قطاع غزة، تم تأسيس الاتحاد الرياضي الفلسطيني في عام ١٩٦٢ الذي كان يضم كافة لجان الألعاب الرياضية تحت لوائه والتي كان اهمها لجنة كرة القدم. وما محاولاته للانضمام للاتحاد الدولي لكرة القدم إلا وسيلة من أجل إبراز وجود الشعب الفلسطيني، فضمن مراسلاته مع الاتحاد الدولي كان هناك شرحاً وافياً لطبيعة ظروف التشتت التي يعيشها شعبنا نتيجة النكبة، إلا أن محاولاته هذه باءت بالفشل لأن الاتحاد الدولي كان يعتبر قطاع غزة "منطقة" تحت الإدارة المصرية.

 

  في ستينيات القرن الماضي ومع نشوء منظمة التحرير الفلسطينية ، في عام ١٩٦٩ تأسس المجلس الأعلى لرعاية الشباب (في عام ١٩٧٤ تغير الاسم إلى المجلس الأعلى للشباب والرياضة). هنا، لا بد للقول إنه منذ البداية كان الهدف من تأسيس هذا المجلس بالإضافة إلى تربية الأجيال جسديا وصقل شخصيتها بروح الانتماء أن تساهم الرياضة في حمل راية الشعب الفلسطيني وإبراز قضيته العادلة.

 

   من الواضح أن النشاط الرياضي منذ عام 1967 لم ينفصل عن العمل الوطني وهذا بطبيعة الظروف التي كان يعيشها الشعب الفلسطيني في تلك الفترة، فقد كانت الحركة الرياضية في الضفة وقطاع غزة تسير بشكل موازٍ مع الحركة الوطنية وتنسق معها في كثير الاحيان. ومن الجدير بالذكر بأن الكثير من الأندية كانت تحت إشراف الفصائل الفلسطينية التي كانت تنضوي تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية. وكان انضمام فلسطين للاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) في عام ١٩٩٨ بداية لظهور أكبر وواضح للأيديولوجيا الفلسطينية في الرياضة على صعيد دولي، حيث أصبحت هذه العضوية منبراً للفلسطينيين للتعبير على صعيد دولي عن هويتهم وآرائهم ومعاناتهم تحت الاحتلال الإسرائيلي. ورغم تحفظات الكثيرين على اتفاقية أوسلو وما أدت إليه من نتائج وخيمة على شعبنا إلا أن ما نراه اليوم هو وجود هذه النزعة الوطنية الفكرية للرياضة التي تنشأ كرد فعل مستمر للممارسات الإسرائيلية تجاه شعبنا والرياضة الفلسطينية. 

 



[i] https://www.merriam-webster.com/dictionary/ideology?utm_campaign=sd&utm_medium=serp&utm_source=jsonld

[ii] John M. Hoberman, Sport and Political Ideology, (Austin: University of Texas Press, 1984), p. 1.

No comments:

Post a Comment