Thursday, July 26, 2018

فلسطين وأهمية الرياضة



 عصام الخالدي  
     
    ما يقلقني بعض الاحيان هو الفهم المجرد للرياضة والتقليل من اهميتها ، ويلقى اللوم في كثير من الحالات على اكاديميينا ومثقفينا الذين تقع عليهم مسؤولية إدراك ودعم هذا النشاط الذي اصبح يشكل عنصرا أساسيا في الثقافة الفلسطينية. ولم يقتصر هذا الفهم المجرد على هؤلاء وحدهم بل أيضا على القيادات الوطنية التي كانت وما زالت تقع على عاتقها مسؤوليات عدة والتي منها السهر على تحسين صحة المواطن .
    إنها ليست مجرد نشاط حركي دون محتوى وهدف ، وكرة يتبارى بها فريقان من اجل إحراز هدف ، إنها اكثر من ذلك . نعم ، الرياضة لا تغير من تسريحة شعرنا أو طريقة اعدادنا للطعام ، ولكنها تغير من احاسيسنا ومشاعرنا وعلاقاتنا وسلوكنا ووعينا وتصورنا للكثير من الامور في الحياة والعالم من حولنا. قال الزعيم والمناضل الجنوب افريقي نلسون منديلا بعد فوز بلاده في بطولة العالم في الرجبي عام 1995 عن الرياضة أنها "قوة باستطاعتها تحريك مشاعر الناس بطريقة يعجز عنها اي شيء آخر." إن التاريخ المجيد لأي مجتمع وقِيَمه المادية والثقافية وإنجازاته لا ترقى إلى مستوى الرياضة في إثارة المشاعر الوطنية وتعزيز روابط التضامن الوطني لهذا المجتمع.
     يمارس الأشخاص الرياضة لمجموعة متنوعة من الأسباب قد تشمل الترفيه من بهجة الحركة البدنية وتحسين الصحة والمنافسة والتحدي وإثبات النفس والاعتراف من الآخرين بالإنجاز والمكافئة . ولكن إلى جانب الدوافع الشخصية ، هناك قيمة اجتماعية للرياضة ، فهي تساعد في تعريف وتوجيه السلوك الاجتماعي حيث تتطلب من الرياضيين إظهار قيماً مسؤولة اجتماعيًا ، مثل الانضباط والالتزام والاحترام والمرونة التي بمجموعها تساعدهم في تنظيم سلوكهم الحياتي ، كما أن العمل داخل المجموعة والعلاقات والصداقات لها دور إيجابي في إكساب الفرد مهارات وخبرات اجتماعية .
   الرياضة ليست وسيلة مهمة فقط من أجل تحسين الصحة ، بل أيضا من أجل التربية المعنوية والأخلاقية والوطنية والذهنية والعملية والجمالية وغيرها - أي أنها وسيلة من أجل تشكيل الشخصية المتعددة الجوانب - ، وهي شكل من اشكال الوعي الاجتماعي  ، ومؤشر حضاري ، وأداة للحداثة والتغيير والتقدم الاجتماعي وتحرير المرأة ، وإزالة الفوارق الإثنية والطبقية ، ووسيلة من اجل إثبات الهوية الوطنية وتعميق الحس الوطني  . وقد أصبح من الصعب في وقتنا الحاضر فهم المجتمعات والثقافات المعاصرة دون فهم مكانة الرياضة فيها. 

     لنرى ماذا قدم النشاط الرياضي لشعبنا منذ بداية القرن العشرين وحتى وقتنا الحاضر ، ودوره في تعميق الهوية الوطنية الفلسطينية وإثبات وجود هذا الشعب الذي فقد اعز ما يملك ، ففي الوقت الذي لم يعترف العالم بنا بعد نكبة عام ١٩٤٨ كانت الرياضة احدى اهم الوسائل التي ساعدت في إثبات وجودنا ، وعندما برز فريق مثل فريق الوحدات (في مخيم الوحدات بالأردن) قال عنه الرئيس الراحل ياسر عرفات "عندما لم يكن لدينا صوت كان الوحدات صوتنا." لقد كانت الرياضة على مدى عقود النشاط الأول في الأندية الفلسطينية الاجتماعية التي استطاعت ان تجلب ابناء فلسطين من المدن والقرى معاً، ولا نبالغ بالقول أنه لم يكن هناك نشاط جمع ابناء فلسطين على مر عقود مثل الرياضة ، هذا النشاط الذي ساعد في صقل شخصية الانسان الفلسطيني ووجه سلوكه واكسبه صفات معنوية واخلاقية. وللأسف أن نرى بعض "الأكاديميين" الذين ينظرون إلى ممارسة الشباب للرياضة بأنها عامل إلهاء وصرف نظر عن القضايا السياسية الهامة ، غير مدركين أن ممارسة الرياضة هي مهمة وطنية وعمل ذات علاقة بالسياسة بشكل عام ، وليس بمعزلٍ عنها.

    لم يكتف الصهاينة باغتصاب فلسطين ولا بطرد أهلها من بيوتهم وقراهم ومدنهم ، بل وحرمانهم من حقهم في العيش والوجود ، ومن الاستمرار في إبراز هويتهم الوطنية التي تثبت وجودهم ، وقد ناضل الفلسطينيون بعد عام 1948 من اجل العودة والوجود والكرامة ، ولم يقتصر نضالهم على حمل السلاح فقط ، بل تعداه لاستخدام كل الوسائل الممكنة السياسية والاجتماعية والثقافية وأيضا الرياضية ، ولم يكن تشكيلهم للعديد من الاتحادات الرياضية في الستينيات من القرن الماضي ، والانضمام للاتحادات الرياضية الدولية ومحاولة الانضمام إلى اللجنة الأولمبية الدولية والاتحاد الدولي لكرة القدم  إلا احدى المهام الموجهة على تحقيق الاهداف الوطنية. هذا بالإضافة إلى مشاركة فلسطين في دورات الألعاب العربية التي كان اولها في الإسكندرية في عام 1953 وآخرها في عام 2011 في قطر وحصولها على ميداليات في العديد من انواع الرياضات المختلفة ، ناهيك أيضا عن مشاركتها في البطولات العالمية والألعاب الأولمبية ، كما يعتبر تفوق فريقنا الوطني لكرة القدم على الفريق الإسرائيلي في تحقيقة  المركز الثالث والسبعين في تصنيف الفيفا عالمياً بمثابة نصراً لفلسطين ليس على الصعيد الرياضي فحسب ، بل أيضا على الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي.

    من الثابت أن الرياضة رافقت شعبنا وعكست معاناته ، وفي نفس الوقت كان للواقع الفلسطيني انعكاساته على الرياضة ، فهي عانت وتشتتت ، وتشتت الرياضيون واستشهدوا ، وقصفت الأندية والملاعب .  وكانت الرياضة أداة استخدمت من اجل إثبات الوجود والهوية الوطنية الفلسطينية في وقت تعددت به اشكال النضال الفلسطيني . لذلك فإن إدراك جوانب عدة لتاريخ فلسطين يستوجب تتبع مسيرة الرياضة الفلسطينية على مدى ما يقارب المئة عام ، التي بدونها (وبدون مبالغة) يصعب فهم جوانبٍ كثيرة في تاريخنا الفلسطيني المعاصر. ومن الواضح أنه  كان للرياضة ارتباط بجميع نواحي الحياة ، وكل جوانبها ، وكان لها تأثير وقوة في المساهمة في توجيه مسار شعبنا النضالي والثقافي والاجتماعي. وإذا اردت ان تتبع مسيرة شعبنا تحت الاحتلال منذ عام 1967 فعليك أن تتابع كرة القدم الفلسطينية ، التي كما يشير الصحفي الإسرائيلي التقدمي عساف غفرون أنه "باستخدامها ممكن أن يتم سحب العربة ببطء خارج الوحل ،" أي الخلاص من الاحتلال بفضلها.

    خلال مباريات كأس العالم في روسيا علق العديد من الزملاء على الفيسبوك متمنين أن يروا فلسطين تشارك في كأس العالم ، وأن يسمعوا النشيد الوطني الفلسطيني . ولنتصور ما هو شعورنا لو تحقق ذلك ؟
وحتى عندما كنا نسمع النشيد الوطني للدول الأخرى كانت تعترينا رغبة عارمة في سماع نشيدنا الوطني !!
   

No comments:

Post a Comment