Sunday, October 23, 2016

الأخبار الرياضية في صحيفتي (بالستين بوليتين وبالستين بوست) 1925 - 1947

                         

عصام الخالدي


   من المعروف أن هذه الصحيفة هي بجوهرها صهيونية ، كانت مؤيدة وداعمة لإقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين ، وبشكل علني كانت تعارض السياسة البريطانية في تقييد الهجرة اليهودية إلى فلسطين ، وحسب احد المعلقين فإن المؤسسات الصهيونية كانت تعتبرها واحدة من أكثر الوسائل فعالية لممارسة التأثير على السلطات البريطانية. أسسها جاكوب لاندو تحت اسم (بالستين بوليتين) في كانون الثاني عام 1925 ، وكانت تملكها وكالة التلغراف اليهودية . في كانون الثاني 1931 استلم تحريرها الصحفي الأمريكي جيرشون اجرونسكي ، وفيما بعد تم الاتفاق بين لاندو واجرونسكي على ملكية مشتركة للصحيفة لتصبح مستقلة وتحويلها إلى (بالستين بوست) حيث صدر العدد الأول منها في 1 كانون الأول عام 1932 ، واستمرت حتى عام 1950 لتتحول فيما بعد إلى (جيروسالم بوست) . [1]

    من المعروف أن اهتمام الصهاينة والإسرائيليين تركز على مسألتين : الوسط العربي والرأي العام العالمي ، فمن أجل بناء الوطن اليهودي ، شكل الصهاينة في عقلهم صورة غير انسانية سياسياً واجتماعياً. وهذا ما ساعدهم في صرف النظر عن قضية النزوح وتبرير تحويل فلسطين إلى دولة يهودية.[2]  وهذا ما يؤكده حاييم وايزمان عندما أشار إلى أن الصراع في فلسطين هو نضال من أجل انتزاع الأرض من السكان الأصليين ، ولكنه نضال  يرفع بالفكرة ، والفكرة هي كل شيء. [3] ويشير إدوارد سعيد في كتابه (The Question of Palestine) أن الصهاينة استطاعوا أن ينشروا آراءهم وحقائقهم فوق آراء وحقائق الفلسطينيين العرب.[4] وقد أرادوا أن يصوروا أنفسهم بأنهم هم الذين يعرفون الفرق بين عقلية الشرق "المتخلفة" والغرب "المتطورة" ، وبما أن العرب شرقيون فهم أقل انسانية وقيمة من الأوروبيين والصهاينة  وهم غدارون وضالون وعنيدون الخ. [5]

    لقد استخدمت الحركة الصهيونية كل الوسائل من أجل الإسراع في تحقيق هدفها السياسي الذي تمثل في إقامة الوطن القومي اليهودي ، إلا أنها اصطدمت بمقاومة عنيفة التي لم تكن تتوقعها ، ولم تعد لها العدة. وحاولت كما يشير إلياس شوفاني أن توظف سلطات الانتداب في قمعها واخضاعها ، وبصورة فظة ، املتها عليها تطلعاتها المفرطة في غلوائها، من جهة، وعدم اهليتها الذاتية لتجسيد تلك التطلعات من جهة اخرى. وإذ لم يكن في قدرتها تهويد فلسطين باليهود، فقد ارتأت تحقيق ذلك الغرض بتغييب شعبها عنها. فمارست الاوساط الصهيونية ضغوطا على حكومة الانتداب للتضييق على العرب الفلسطينيين لتهجيرهم . وقامت وسائل الاعلام الصهيونية بحملة واسعة لتغييبهم حضاريا، وحتى لنفي وجودهم المادي الجسدي، وتشويه وجههم الحضاري بتحميلهم وزر ما لحق بالبلد من خراب، وأنها أصبحت صحراء قاحلة تستصرخ المستوطنين لإعمارها، كما ادعت أبواق الاعلام الصهيوني .[6] كما وعملت الصحافة الرياضية الصهيونية على تكريس الاهداف الصهيونية على عدة اصعدة : أولا: تكريس التعاون والتفاهم الصهيوني الإنجليزي ، ثانيا : تهميش العرب وإبعادهم عن الساحة الرياضية ، ثالثا : إعطاء صورة للإنجليز وكأن اليهود هم الذين يشكلون العجلة الأمامية للرياضة الفلسطينية ، رابعا : إبراز اليهود للقارئ الأجنبي كممثلين لفلسطين رياضياً على الساحة محلياً وإقليمياً ودولياً .

    منذ بداية صدورها وفي العشرينيات وبداية الثلاثينيات كانت هذه الصحيفة تأتي بالأخبار عن العرب وكأنهم قطاع طرق ومجرمي شرف ومحبي للانتقام. أما عن حياتهم الثقافية فقد صورتهم وكأنهم لم يكن لهم أي نشاطات ثقافية - والتي منها الرياضية ، وفي بعض الأحيان كانت تصورهم على انهم اقلية سكانية موجودة في فلسطين.

   كانت معظم الأخبار الرياضية في هذه الصحيفة عن الأخبار الرياضية العالمية وخاصة البريطانية بحكم علاقتها مع الإنجليز ، وعن فرق الانتداب الرياضية والفرق اليهودية والأرمنية ورياضة المدارس التبشيرية ، وفرق الشركات والدوائر الحكومية والبلديات ، وعن نشاطات جمعية الشبان المسيحية في القدس، وأما الاخبار الرياضية العربية فكانت نادرة ، ففي العشرينيات كانت الأخبار الرياضية عن العرب تقتصر على  تباري الفرق اليهودية مع العربية ، أو عن فرق منتقاة من العرب واليهود لتباري فرق اجنبية.   ومثال على ذلك نشرت هذه الصحيفة (بالستين بوليتين) في آب 1927 أن المباراة بين "كاديما" وفريق عربي منتقى انتهى بفوز "كاديما" 3 إلى واحد.[7] وأفادت هذه الصحيفة أيضا في تموز 1927 أن المباراة التي اقيمت بين الاحدى عشر من الثلاث سفن حربية في ميناء حيفا وفريق منتقى من العرب واليهود في حيفا ، كانت نتيجتها 6 إلى صفر لصالح الأول. [8] وكانت هذه الأخبار تأخذ طابعاً إخبارياً أكثر مما هو تحليلياً وكانت تأتي ضمن عامود "فلسطين من يوم إلى يوم" (Palestine From Day To Day). وكان السبب وراء نشر بعض الأخبار عن الفرق العربية محاولة هذه الصحيفة تجميل وجهها أمام الإنجليز من خلال "إظهار" نزعتها الموضوعية غير المتحيزة في سرد الأخبار.

  من المعروف أن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم تأسس عام 1928 من قبل اليهود والعرب والإنجليز ، إلا أن العرب فيما بعد اضطروا إلى الانسحاب منه بسبب الهيمنة الصهيونية عليه ، حيث قاموا بتأسيس الاتحاد الرياضي الفلسطيني عام 1931 . وقد قامت هذه الصحيفة بنشر بعض الأخبار عن الدوري الذي نظمه هذا الاتحاد ، وفي التقرير السنوي (الوحيد) لهذه الصحيفة لعام 1932 قامت بإعطاء لمحة عن كل الاتحادات الرياضية من ضمنها الاتحاد الرياضي الفلسطيني (العربي)  . وبعد اندثار الاتحاد الرياضي الفلسطيني في نهاية الثلاثينيات اضطرت بعض الفرق العربية أن تنضم للاتحاد الفلسطيني لكرة القدم الذي كان يهيمن اليهود عليه هيمنة كاملة. بهذا فقد لوحظ ذكر مباريات كثيرة للفرق العربية ضمن بطولات هذا الاتحاد . وكان بين الفرق العربية الفرق التالية : شباب العرب ونادي الترسانة والنادي الرياضي الإسلامي في حيفا، النادي الرياضي الإسلامي في يافا ، النادي الرياضي العربي والنادي الأرثوذكسي في القدس  . وقد أدت مشاركة هذه الأندية في البطولات التي كان ينظمها الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم إلى دفع هذه الصحيفة إلى ذكر نتائج وأداء هذه الأندية العربية . فمثلا أشارت (هذه الصحيفة) إلى أن نادي شباب العرب وصل إلى مستوى استطاع من خلاله أن يتغلب في كثير من المباريات على الأندية اليهودية وعلى فرق الانتداب البريطاني في فلسطين رغم تجاهل هذه الصحيفة للفرق العربية ونشاطاتها منذ تأسيسها وحتى مشاركة هذا النادي في اتحاد حيفا ، فقد اضطرت بفضل إثبات دور هذا النادي على صعيد رياضي أن تنشر وقائع المباريات كما هي ودون تحيز ، ولا بد للقارئ أن يعي أن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم وهذه الصحيفة كانا يريا أن انضمام بعض الفرق العربية لهذا الاتحاد هو بمثابة نصر للرياضة "اليهودية" في فلسطين بسبب مقاطعة الفرق العربية لفترة طويلة لهذا الاتحاد ، فمن المعلوم أن الناشطين الرياضيين كانوا على يقين بأن هذا الاتحاد (الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم) لا يمثل إلا اليهود انفسهم ، بالإضافة إلى سعيه الدائم لتمثيل فلسطين على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي .
    وفي الملاكمة تحت عنوان (هزيمة بطل سوري) ذكرت هذه الصحيفة ، مباراة بين البطل الفلسطيني سنحاريب صليبا (التي تجاهلت هويته الوطنية عن عمد) والبطل اليهودي ("المحلي" كما تذكر هذه الصحيفة) إميل افنيري ، فمن خلالها يلاحظ القارىء روح التكبر والتعامل الفوقي تجاه العرب الذي تميزت به هذه الصحيفة والعاملين الصهاينة في الحقل الرياضي:

"كانت قاعة المكابي مليئة بالمشجعين الرياضيين الذين أتوا ليشاهدوا المباراة بين الملاكم المحلي [اليهودي] والعربي بطل سوريا ولبنان [سنحاريب صليبا] في ست جولات. [9] وبرغم أن السوري كان يزن فقط رطلين [إنجليزيين أي ما يقارب كيلوغراماً] أكثر من خصمه إلا أنه كان يظهر أكثر وكأنه ينتمي للوزن الثقيل . وقد استطاع إميل أن يحقق شعبية له عندما تغلب بأربعة جولات من ست ولكن ليس بسهولة. وكما كان متوقع فقد كانت المباراة تقنية مقابل وزن ثقيل [وزن سنحاريب صليبا] ، ففي الجولة الأولى قام الملاكم المحلي بهجوم مستمر وفي الجولة الثانية وجه ضربة سريعة بيده اليمنى إلى وجه الخصم أدت إلى قطع شفة السوري ونزيف في الانف. ولكن هذا لم يضعف من عزيمة صليبا بل أغضبه فخلال لحظاته الشرسة كان يخطىء باستمرار وهو كاشف عن وجهه مما أدى إلى أن يستغل إميل هذا. وبعد ذلك لم يثر السوري إعجاب المشاهدين ، فهو كان يوجه ضرباته نحو الجسد وبدون فاعلية. "[10]

     بعد إعادة تأسيس الاتحاد الرياضي الفلسطيني (العربي) عام 1944 قررت لجنته المركزية عدم التعامل والتلاقي مع الفرق اليهودية ، وهذا ما جاء في نظامه الداخلي أيضاً. واستمر عدم التعاون هذا إلى نهاية عام 1947.    ومن الجدير بالذكر أنه في كانون الأول عام 1945 أعلنت جامعة الدول العربية أن أعضاءها السبع سوف يقاطعون البضائع المنتجة من قبل اليهود في فلسطين بدء من الأول من كانون الثاني 1946. وقال رئيس الجامعة عبد الرحمن عزام أنه تم إصدار المقاطعة لأن الصناعة اليهودية كانت تقوم على الأموال الصهيونية التي تم جمعها في الدول الأجنبية لتحقيق الهدف السياسي : إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين . [11] وهذا ما دفع (البالستين بوست) إلى نشر مقال كان قد نشر في صحيفة "لورينت" اللبنانية تحت عنوان "المقاطعة" في آذار 1946 : إن المشاكل التي خلقتها المقاطعة المعادية للصهيونية قد تعومل معها في مقالة رائدة في صحيفة "لورينت ليجور" L'Orient-Le Jour من قبل محررها السياسي  السيد م. لبكة بشأن قرار نادي تل ابيب للتزلج عدم زيارة لبنان. فقد اوضح النادي أنه بسبب العداء للصهيونية فإنه يفضل التزلج في قبرص. ويذهب السيد لبكة قائلا ان مقاله كتب خصيصا للقاهرة وبغداد ودمشق لكي يعرفوا أن المقاطعة قد ادت إلى تضرر لبنان أكثر من فلسطين ، فلبنان لم يكن زبوناً كبيراً للصناعة الفلسطينية ولكنه كان موردا . وقد توقف لبنان عن الحصول من فلسطين على كيماويات ومنتوجات الصيدلة التي لا يمكن الحصول عليها من أوروبا او امريكا. إن تهريب البضائع الفلسطينية كان مستمر بأي شكل ، وبالطبع أصبح يقارب شكل مؤسساتي . وكانت تجربة مالية مكلفة ذات فشل محكوم . ويطالب المقال أن تقوم الجامعة العربية بالنظر في دفع تعويضات لتغطية الخسائر اللبنانية وان تختم بالسؤال لماذا كانت كلفة الخضوع اللبناني لمطالب الجامعة العربية قليلة جداً. من الواضح أن وجهة نظر "لورينت" مفهومة على نطاق واسع. [12]

    وتضيف هذه الصحيفة مبررة التأثيرات العكسية للمقاطعة "أقامت مدرسة الفرندز احتفالها السنوي وكان مليئا كالعادة بالمفاجآت والفقرات المشوقة مثل العاب القوى . إن "المقاطعة" التي ذكر بأنها كانت معلنة ضد الرياضة بدأت ترى نتيجتها العكسية ، حيث أقبل عدد من الناس ليرى كيف أثرت المقاطعة على الرياضة. ونتيجة لذلك فقد يبدو أن هناك مزيداً من الناس كانوا حاضرين اكثر من المعتاد ، فكل خيمة كانت مليئة بينما الاسوار المحيطة في الملعب كانت متراصة مثل علب السردين .....  القنصل الأمريكي العام السيد ل. س. بنكرتون استقبل بتصفيق حاد عندما ظهر في الملعب بينما قوبلت السيدة بنكرتون بهتافات من القلوب بعد ان قدمت الجوائز والدروع في نهاية الحفل. [13]

   بعد إعادة تأسيس الاتحاد الرياضي الفلسطيني قامت (البالستين بوست) بنشر بعض الاخبار عن نشاطات هذا الاتحاد مثل مباراة بين النادي الدجاني والنادي الأرثوذكسي في القدس. وتحت عنوان "النادي الرياضي الإسلامي يفوز بدرع البنك العربي" نشرت هذه الخبر : تغلب النادي الرياضي الإسلامي على النادي الأرثوذكسي إلى صفر في المباراة النهائية لبطولة الاتحاد الرياضي الفلسطين ليفوز بدرع البنك العربي. وقد احرز الجناح الأيمن إسماعيل النجار الهدفين في الشوط الثاني للمباراة. وبعد نهاية المباراة قدم أحمد حلمي باشا درع البنك العربي لرئيس فريق النادي الرياضي الإسلامي فوزي الشنطي. [14]
  
    لم تورد هذه الصحيفة أخباراً عن طبيعة الصراع الذي كان قائماً بين العرب واليهود في فلسطين على الساحة الرياضية منذ أن أبعد الثاني الأول عن الساحة الرياضية ، وهيمن على الحركة الرياضية حتى أواخر عام 1947 ، فمن المحتمل أن السبب يعود إلى قناعتها بأن هذا أمر ليس في غاية الأهمية لأن الرياضة العربية لم تكن بهذا المستوى العالي لتبرزها هذه الصحيفة على صفحاتها ، أو لأنها كانت تكتفي بنشر أخبار الأحداث الرياضية فقط دون نشرها مقالات تحليلية عن طبيعة وجوهر الحركة الرياضية في فلسطين.


 المراجع والملاحظات:




[1]http://en.wikipedia.org/wiki/The_Jerusalem_Post
[2] Alan R. Taylor, The Zionist Mind, (Beirut: The Institute For Palestine Studies,  1974).  p. 197
[3]Edward Said, The Question of Palestine (New York: Vintage Books, 1980), p28
[4]Edward Said, The Question of Palestine, p.21.
[5]Edward Said, The Question of Palestine, p.28.
 [6] إلياس شوفاني. الموجز في تاريخ فلسطين السياسي (منذ فجر التاريخ حتى سنة 1949) مؤسسة الدراسات الفلسطينية بيروت 1998 ، ص. 408.
[7] بالستين بوليتين ، 31 تموز 1927.
[8] بالستين بوليتين ، 27 آب 1927.
[9] من أجل المعرفة عن الملاكم الفلسطيني سنحاريب صليبا ، أنظر: www.hpalestinesports.net
[10] بالستين بوست ، 26 شباط 1934.
[11] Vote Action Against Jewish Industry, Charging Tie With Zionist and Political Aims, New York Times, 4 December 1945.
[12] بالستين بوست ، 15 آذار 1946
[13] بالستين بوست ، 27 أيار 1946.
[14]  بالستين بوست ، 6 حزيران 1945.

No comments:

Post a Comment