Saturday, February 15, 2014

الملاكمة في فلسطين منذ العشرينيات وحتى عام 1948



عصام الخالدي                            

    يعود ظهور الملاكمة في فلسطين إلى عشرينيات القرن العشرين عندما بدأت بعض الأندية العربية في تبني هذا النوع من الرياضة بعد أن كانت  قد أدخلته الإدارة البريطانية ضمن ثقافتها إلى فلسطين وعملت على نشره من خلال التنسيق مع الفرق والأندية اليهودية والعربية . يقول خير الدين أبو الجبين واصفا ما وصلت إليه الملاكمة "رغم أن لكرة القدم شعبية كبيرة، إلا أن الملاكمة في فلسطين وصلت إلى القمة خلال مدة طويلة فاقت شعبيتها كل الألعاب الرياضية الأخرى، وتأتي بعدها كرة السلة ثم ألعاب الساحة والميدان ..... وتأتي المصارعة بعد هذه الألعاب."
 ولقد كان النادي الأرثوذكسي في يافا الذي تأسس عام 1924 من أوائل الأندية التي تبنت هذا النوع من الرياضة بالإضافة إلى كرة القدم. استطاع ملاكمو هذا النادي التغلب على ملاكمي المكابي في كانون الأول من عام 1927 بشوطين ضد شوط واحد. وفي تموز من عام  1928 أقام هذا النادي حفلة ملاكمة لإحراز بطولة فلسطين حيث تبارى أديب كمال التركي وفركسمان اليهودي.[1]   
   في أواسط عام 1933 تم لقاء في الملاكمة بين أديب كمال (كان يطلق عليه أيضا أديب تركي) أحد أبطال فلسطين في ذلك الوقت وبطل مصر على أفندي صادق. كما وحضر الملاكم السوري المعروف مصطفى القبومي إلى فلسطين لإقامة حفلات الملاكمة حيث كان في طريقه إلى مصر للتباري مع أبطالها أمثال مختار حسين وإبراهيم كامل.
  في أيلول عام 1933 افتتح نادي الملاكمة والرياضة في حيفا (الذي سمي فيما بعد أيضا بالنادي الغازي نسبة إلى الملك غازي) وكان أول ناد للملاكمة في فلسطين على حد تعبير مؤسسيه ، وقد تأسس هذا النادي بقيادة الملاكم  أديب كمال (والذي كان يعتبر بطلا لسوريا ولبنان وفلسطين والذي فيما بعد التقى مع العديد من الملاكمين في سوريا ولبنان) وجودة ترك سكرتيرا وواكيم نوفي أمينا للصندوق وتوفيق اليعقوب أعضاء وشريف حبيشي ونعيم أبو النصر وأمين مرسال / إدارة . أقام هذا النادي حال تأسيسه  في الأول من أيلول حفلة تكريمية دعا إليها وجهاء مدينة حيفا ورؤساء الجمعيات المسيحية والإسلامية ورؤساء النوادي لافتتاح هذا النادي الأول من نوعه في فلسطين.
  تحت عنوان "نادي الملاكمة والرياضة العربي" جاءنا من هذا النادي في حيفا ما يلي: تم انتخاب هيئة ادارة لنادي الملاكمة والرياضة العربي بحيفا ففاز بأكثرية الاصوات كل من السادة: رئيس : أديب كمال ، نائب رئيس جودة ترك ، سكرتير: واكيم نوفي، امين صندوق : توفيق اليعقوب ، اعضاء ادارة : شريف حبيشي نعيم أبو النصر أمين مرسال.  وقد ارسلنا تحريراً الى سعادة قائمقام حيفا نعلمه بانتخاب الهيئة الادارية الجديدة. يستعد اعضاء الهيئة لنادي الملاكمة والرياضة العربي بحيفا لاقامة حفلة تكريمية يوم الجمعة القادم الواقع في 1- أيلول الساعة السادسة مساء يدعى اليها وجهاء البلد ورؤساء الجمعيات المسيحية والاسلامية ورؤساء النوادي الرياضية لافتتاح النادي الذي هو اول ناد من نوعه في فلسطين. اقسم اعضاء النادي صغيرهم وكبيرهم مسلمهم ومسيحيهم القسم الآتي: (اقسم بشرفية الرياضة "مع حفظ وترديد اسم الله" أن اخدم نادي الملاكمة والرياضة العربي الذي انا عضو فيه وان انفذ قرارته ومواده ومواد القانون الدولي الرياضي وبصورة خاصة وعلنا على رؤوس الاشهاد أن لا افرق بن الاديان).   وقد تشكلت لجنة خصوصية للاسعافات الاولية ومما هو جدير بالذكر ويلفت النظر رسم الهلال والصليب على خزانة الاسعافات وهذا مما يدعو الى التفاؤل بالنجاح الباهر الذي سيحرزه هذا النادي في عالم الرياضة.[2]
    في بداية الثلاثينات أيضاً تأسست جمعية التهذيب والمواساة في حيفا التي تبنت نشاط الملاكمة حيث ارتبط اسمها كثيرا بهذا النوع من الرياضة ، وقد عملت هذه الجمعية على نشر هذا النشاط وأعطته أهمية ليصبح ثاني نوع من الرياضة بعد كرة القدم يمارس في فلسطين.  بعد تأسيس نادي شباب العرب في حيفا في عام 1934 أخذ هذا النادي النشيط على عاتقه تطوير هذا النوع من الرياضة حيث أصبح يضم ملاكمين أمثال محمود نديم الزمرلي والذي كان مدربا لأعضاء هذا النادي. في تلك الفترة أيضاً عمل النادي الرياضي الإسلامي في يافا بقيادة ونشاط الدكتور حقي مازين (الذي سيرد ذكره مرارا) على إقامة حفلات في الملاكمة ففي آذار 1935 أقيمت بطولة فلسطين الملاكمة في الوزن الخفيف بين أنطون بوتاجي وأديب تركي من النادي الغازي في حيفا وكان ذلك على مسرح قهوة الشرق في يافا ، وفي تموز من ذاك العام أقام هذا النادي حفلة للملاكمة شارك فيها أبطال سوريا وتركيا وفلسطين.  في كانون الأول 1935 قررت اللجنة الرياضية في هذا النادي تعيين الدكتور حقي مازين مشرفا على جميع الألعاب الرياضية ومدربا رسميا للنادي في لملاكمة. وفي تشرين الثاني دعا هذا النادي جميع الرياضيين من ملاكمين ومصارعين ورباعين للحضور إلى النادي استعداداً لبطولة فلسطين لسنة 1936 التي كان سيقيمها الاتحاد الرياضي الفلسطيني ولم تجر بسبب اندلاع ثورة 1936 المجيدة. 
 في آب 1937 في صحيفة (الدفاع) ظهر خبر من بطل سوريا شفيق البغدادي عن تحديه لأي ملاكم له الرغبة في مواجهته. واستجاب له من السجن (ولم تذكر الأسباب لسجنه) محمد أحمد العوضي  على مواجهته وقبول التحدي.[4]
    لم يكن الاتحاد الرياضي الفلسطيني الذي تأسس في عام 1931 يولي اهتماما بالملاكمة إلا أن بعض الأندية التي مارست هذا النوع من الرياضة كانت عضوا في هذا الاتحاد مثل النادي الأرثوذكسي والرياضي الإسلامي في يافا ونادي شباب العرب في حيفا وكان نشاط الاتحاد في ذلك الوقت محدوداً وموجه على النشاط الكروي فقط.
       في نهاية الثلاثينات  ظهر الملاكم أديب الدسوقي كرياضي بارع تنبأ الكثيرون أنه سوف ينطلق في عالم الملاكمة ليلمع نجمه في سماء فلسطين ودول عربية شقيقة . ومن خلال صداقته مع الدكتور حقي مازين (الذي كان مدربه أيضا وفيما بعد حكما وناشطا في الاتحاد الرياضي الفلسطيني الذي أعيد تأسيسه عام 1944)  استطاع كلاهما تأسيس المعهد الاولمبي ، حيث عملا مع الملاكمين الآخرين بإثبات وإصرار على رفع  مستوى الرياضة العربية لكي تصل إلى مثيلاتها اليهودية والبريطانية وربما أفضل خاصة بعد إعادة تأسيس الاتحاد الرياضي الفلسطيني العربي في أيلول عام 1944 عندما أصبحت هناك لجنة فرعية للملاكمة تابعة لهذا الاتحاد ، وقد خطى هذا النادي (المعهد الاولمبي) خطى سريعة نحو نشر الملاكمة بين الرياضيين العرب.
     تعبيرا عن روح الإعجاب بهذا النادي – المعهد الاولمبي يكتب حسن أبو الوفا الدجاني عضو بلدية يافا في صحيفة (فلسطين) في بداية الأربعينيات "دعيت البارحة مع فريق من خيرة الأصدقاء وكرامهم لزيارة المعهد الاولمبي اليافي . وهو معهد يعني بتعليم الشباب المشتركين فيه أصول الملاكمة...... ولا يغربن على البال أن شهرة السيد أديب الدسوقي في الملاكمة تعدت حدود فلسطين ، ووصلت إلى سائر الأقطار العربية المجاورة وزكت فيها. ولا نزال نذكر ذهابه منذ شهر ونصف إلى مصر بدعوة من أندية الملاكمة المصرية لمنازلة بطل مصر الأول عبده كبريت وتفوق الدسوقي عليه. وقد يبدو هذا الأمر عاديا للذين لا تهمهم الرياضة البدنية . ولكنه في الحقيقة عمل جريء بالثناء والتقدير ، وخدمة جليلة يقدمها الدسوقي إلى بلاده تطوعا منه لرفع ذكراها وإعلاء شأنها. والسيد الدسوقي كما شاهدنا البارحة أستاذاً رياضياً ناجحاً . ففي معهده عشرات من الشبان النجباء الذين أخذ الدسوقي على نفسه أن يعلمهم أصول الملاكمة بأساليبها الحديثة الرشيقة واستطاع بالفعل أن يجعل منهم فرقة نشيطة قوية ، يمارس أفرادها في كل يوم تمارينهم  ودروسهم: في القفز على الحبل وفي ملاكمة الكرات الهوائية الضخمة المعلقة في السقف وفي منازلة بعضهم البعض في مباريات قصيرة ناجحة وهلم جرا مما يمهد إلى إيجاد وسط رياضي واسع والى إكبار اسم فلسطين في الأوساط الرياضية في سائر الأقطار العربية. ولنا رجاء وطيد أن يقدر اليافيون الكرام له جهوده بعد إيجاد هذا المعهد الراقي وان يقبل الشبان على هذا المعهد إقبالا منظما يمكنهم في المستقبل من الفوز في المباريات الرياضية ورفع اسم البلاد التي أنجبتهم."[5]
    بمبادرة من الدكتور حقي مازين رئيس المعهد الأولمبي بيافا قام هذا النادي بإقامة مباراة خصصت ريعها لمصلحة الصليب الأحمر البريطاني أقيمت تحت رعاية رئيس بلدية يافا عبد الرؤوف البيطار في آذار 1941 والتي اشترك بها 24 ملاكما عربيا وبريطانيا ويهوديا حيث تغلب الدسوقي على بطل المكابي وبطل بولندا اليهودي.
     في تلك الفترة أيضا ظهر العديد من الملاكمين منهم الأرمني ماردوس بوكرشيان من نادي الهومنتمن الأرمني في القدس (الذي تغلب على البطل المصري عبده كبريت في تموز 1943)، وسنحاريب صليبا من نادي السريان في حيفا )الذي تغلب على البطل المصري عبده كبريت). كانت هناك لقاءات عديدة بين أديب الدسوقي وسنحاريب صليبا وماردو بوكرشيان حتى نهاية عام 1947. [6]  في إحدى المقالات الإخبارية في صحيفة (فلسطين) ورد خبر عن لقاء الدسوقي مع سنحاريب "انتهت المباريات الأولى جميعها ثم كانت فترة قصيرة عزفت في أثنائها موسيقي النادي العربي واعتلى بعد ذلك السيد سنحاريب صليبا حلقة الملاكمة بين عاصفة من التصفيق وتبعه السيد أديب الدسوقي بين موجة من الهتافات ثم اخذ الحكام الإنجليز مراكزهم ". وقد انتهت هذه المباراة بتفوق الدسوقي بإحرازه 172 مقابل 169.5 علامة لسنحاريب وكان هذا الحفل قد نظم من قبل جمعية العمال العربية التي استضافت فيه قنصل مصر في فلسطين.[7]
    تكاثرت اللقاءات في الملاكمة في نهاية الثلاثينيات وبداية الأربعينيات بين الملاكمين من الأندية العربية المختلفة وبسب عدم وجود الاتحاد الرياضي الفلسطيني الذي تناثر بعد ثورة 1936  فقد لوحظ العديد من اللقاءات مع الفرق الرياضية للانتداب البريطاني والجانب اليهودي.[8] وهذا دليل على الحالة الفوضوية التي كانت تتميز بها الحركة الرياضية في فلسطين في ذلك الوقت ، فعدم وجود الاتحاد الفلسطيني العربي أعطى مجالا للجانب اليهودي لكي يستقطب الفرق العربية ويهيمن على الحركة الرياضية . وهذا ما دعا الأندية العربية لبذل جهودها من أجل تأسيس الاتحاد الرياضي الفلسطيني للملاكمين الهواة في عام 1943 ، وقد قام هذا الاتحاد فوراً بعد تأسيسه بإقامة مباريات لإحراز بطولة فلسطين في كافة الأوزان ، وبعد إعادة تأسيس الاتحاد الرياضي الفلسطيني في أيلول 1944 أصبحت الملاكمة تدخل ضمن لجنة فرعية للاتحاد سميت ب(لجنة الملاكمة والمصارعة ورفع الأثقال) ، وفي عام 1946 أصبحت تحت اسم (لجنة الألعاب الثقيلة) وفي عام 1947 تم فصل الملاكمة عن المصارعة ورفع الأثقال لتصبح لجنة مستقلة بذاتها.
   كما ذكر سابقاً فقد  كانت هناك لقاءات عديدة مع الجانب البريطاني في فلسطين فقد كان الإداريون الرياضيون الفلسطينيون يسعون لجذب الفرق الانجليزية إلى جانبهم خاصة بعد أن توترت العلاقات بين البريطانيين واليهود في خريف عام 1945 .[9] وسبب آخر هو أن الجانب الفلسطيني كان يرى بهذه اللقاءات مع فرق ورياضيي الانتداب وسيلة تدريبية تعمل على رفع كفاءة الرياضيين الفلسطينيين . أيضا لم يمنع القانون الداخلي للاتحاد الرياضي الفلسطيني التباري مع فرق الانتداب في فلسطين، بل منع (في القانون الداخلي فقط) التباري مع الفرق اليهودية، رغم أن الكثير من الملاكمين خالفوا هذا البند إلا أنه لم تصدر أي تعليمات من قبل الاتحاد في عقابهم. فعلى سبيل المثال في أيار 1945 رد سكرتير الاتحاد الرياضي الفلسطيني على ما نشر في صحيفة (فلسطين) في 29 أيار 1945 حول الملاكمة مع الملاكمين اليهود "أعرض لحضرتكم أنه ليس لدي أية معلومات أو قرار من اللجنة المختصة حول أي اتفاق بين الاتحاد الرياضي الفلسطيني وبين أي اتحاد آخر في فلسطين (أي الاتحاد اليهودي) بخصوص الملاكمة أو غيرها".[10]
    تكاثفت اللقاءات في الملاكمة بين الملاكمين من فلسطين وإخوانهم من الملاكمين من مصر الشقيقة ، ففي أيار 1944 تبارى الدسوقي مع محمد فرج بطل مصر في الملاكمة في نادي مختار الرياضي بالقاهرة وكانت النتيجة تعادل ، كما وتبارى الملاكم الفلسطيني يوسف معروفة مع نظيره المصري الفحار حيث هزم الأول بالنقاط ، وفي تموز من هذا العام اجري لقاء في الملاكمة بين أبطال الملاكمة في فلسطين ومصر في جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة. وفي آب 1945 حضر إلى فلسطين فريق رياضي مصري مؤلف من أبطال الملاكمة والمصارعة ورفع الأثقال وعلى رأسه البطل العالمي مختار حسين ومحمد جعيصة وخضر التوني وعطية محمد وتباروا مع الملاكمين الفلسطينيين . كما وتبارى الفريق المصري ومنتخب حيفا حيث تغلب الملاكم المصري عز الدين على الفلسطيني أمين حسونة في وزن الذبابة وتغلب الملاكم المصري عمر موسى  على الأكحل في وزن الديك وتغلب محسن حمودة على عطا حسونة في وزن الريشة وتغلب لويس جبران من منتخب حيفا  على الملاكم المصري محمد عطية حسن في وزن الخفيف المتوسط ، وفي وزن المتوسط تغلب الملاكم المصري زغلول سعيد على الفلسطيني بشير حسن، وبهذا فقد كانت النتيجة الكلية فوز فريق القاهرة على منتخب حيفا بخمس نقاط مقابل نقطة واحدة ، وفي ذلك الشهر أيضا أقيمت مباراة في الملاكمة تحت رعاية قنصل مصر في مدينة حيفا بين فريق منتخب السكة الحديد في القاهرة الذي زار فلسطين ومنتخب حيفا وكانت النتيجة لصالح الفريق المصري 5-1.  
  بالإضافة إلى زيارة الملاكمين والفرق المصرية إلى فلسطين فقد عمل الاتحاد الفلسطيني على إرسال ملاكميه إلى مصر للرد على التحدي الذي كان قائما بينهم وبين الملاكمين المصريين ، وتوج ذلك في بطولة عرفت ب (بطولة الشرق) ، وسافر أديب الدسوقي في نهاية عام 1945 إلى مصر وتبارى مرتين مع البطل المصري المعروف عرفة السيد. وحول اللقاء الثالث بينهما فقد اقترح الدسوقي أن يحضر عرفة السيد إلى فلسطين لإقامة بطولة الشرق في يافا وعرض عليه مبلغا كبيرا ثلاثة أضعاف ما تناوله الدسوقي في مبارياته في مصر. إلا أن صحيفة (الأهرام) اتهمت الدسوقي بالتهرب من ملاكمة بطل مصر عرفة السيد ، مما أدى إلى أن يوجه الدسوقي في كانون الثاني 1946 كتابا إلى جريدة (فلسطين) يرد به على ما نشرته صحيفة (الأهرام) في تشرين الثاني 1945 في شروطه التي عرضها على بطل مصر ومنها الحضور إلى فلسطين ، مؤكدا أنه سافر إلى مصر مرتين للمباراة فيها وهو يدعو خصمه هذه المرة للحضور إلى فلسطين ويعرض عليه مبلغا كبيرا ثلاثة إضعاف ما تناوله الدسوقي في مباراته بمصر. وهذا شرط سخي لا مجال به لاتهامه بالتهرب كما يقول محرر (الأهرام) الرياضي. والجمهور الفلسطيني بطبيعة الحال يرحب بمثل هذه المباريات الكبيرة تجرى في فلسطين على بطولة الشرق.[11]
   رغم كل ذلك فقد وافق الدسوقي على السفر إلى مصر في  حزيران 1946 لإحراز بطولة الشرق وتبارى مع عرفة السيد بطل القطر المصري على حلقة جمعية الشبان المسلمين ، وقد تغلب بطل مصر على الدسوقي بالنقاط وقد سقط أديب مرتين في الجولة الأخيرة وبذلك اعتبر عرفة السيد بطل الشرق وقد علق المعلق الرياضي على طريقة أديب الدسوقي في اللعب فوصفها بأنها حسنة إلا أنه كان يستعمل رأسه كثيراً كما أنه لم يستعمل يده اليسرى بتاتا، فإذا أمكن له معالجة هذه العيوب فإنه يبرز كملاكم له خطره ، أما المباراة فكانت مؤلفة من 12 جولة كل منها ثلاث دقائق ظل فيها أديب صامداً حتى النهاية.[12]
  في عدد (فلسطين) في 24 حزيران 1946 جاء من القاهرة ما يلي : "كانت ملاكمة عرفة السيد وأديب الدسوقي الأخيرة على بطولة الشرق من أقوى الملاكمات التي أقيمت حتى الآن. ونظراً لما أظهره البطل أديب الدسوقي من قوة وإجهاد وقوة احتمال فقد جعل المشرفين على شؤون المحترفين يفكرون في أقامة حفلة أخرى بين عرفة السيد وأديب الدسوقي في 13 تموز القادم وينتظر أن تكون هذه الحفلة في الإسكندرية أو بور سعيد وقد علمنا أن أديب قبل هذا وأظهر استعداداً من الآن. وسيمنح السيد أديب لقب "بطل فلسطين" رسميا من الاتحاد المصري إلى أن يؤسس اتحاد فلسطين".[13]
    في منتصف أيار 1946 دعت منظمة الإخوان المسلمين في القاهرة أديب الدسوقي وزملاءه الملاكمين للحضور إلى مصر والتباري مع فرقها في مدن عديدة ولكن الحكومة المصرية لم تسمح إلا لنصف العدد الذي قدم طلب الدخول لمصر . وقد قبل الدسوقي بالتوجه مع  أربعة لاعبين فقط مما انعكس على نتائج المباريات وكانت نتيجة اللقاءات تعادل في المنصورة : الفوز في اثنتين والخسارة في اثنتين، خسارة في الإسكندرية : خسر ثلاثة وربح واحد ، خسارة في القاهرة : خسر ثلاثة وربح واحدة ، تعادل في بور سعيد : ربح اثنتين وخسر اثنتين . وبرغم ذلك كانت هذه النتائج مشرفة للفريق الفلسطيني لما كان يملك من إمكانات متواضعة .
  وكان الأستاذ حسين حسني (مصري الجنسية عمل مدرسا للتربية البدنية في كلية روضة المعارف في القدس ، وفيما بعد مدرسا في مدرسة دار  الأيتام الإسلامية وفي آن واحد كان يعمل محرراً للزاوية الرياضية في صحيفة (فلسطين) حتى عام النكبة)[14] قد انتقد رحلة الدسوقي إلى مصر بأن الدسوقي قضى معظم الوقت متنقلا بين المدن المصرية ولم ينل هو وزملاؤه الملاكمون قسطا وافراً من الراحة ولم يتبع جدولا تنافسيا معقولا ، وأنه أجرى أربع مباريات في أسبوع واحد في مدن مصرية مختلفة ، ففي مباراة القاهرة تمكن واحد فقط من أن يكسب وبجواره ثلاثة زملاء كانوا من الخاسرين. وكذلك في الإسكندرية فقد كتب النجاح لواحد فقط ، وفشل الثلاثة الآخرون. "أما في المنصورة فما أسوأ نتيجتها أيها القارئ! لقد خسر الأربعة جميعهم ولعل النتيجة كانت في بور سعيد كذلك.... إن شيئا من النظام كان ينقص هذه المباريات وقليلا من التدبر كان ينقص هذه التصرفات".[15] وقد علل الدسوقي هذه النتيجة بقوله "هذا مع العلم أن فريقي كان يلاكم منتخب أبطال المملكة المصرية التي يبلغ عدد سكانها 18مليونا وتصرف على أنديته وزارة قوية بعكس فريقي".[16]
     إن الذي ميز مباريات ولقاءات الملاكمة هو حسن التنظيم والانضباط والالتزام الرياضي والروح الرياضية ، وقد حقق هذا النوع من الرياضة نجاحا باهرا على الصعيد المحلي والإقليمي بفضل لجنته الفرعية وأعضائها. وقد أولى الاتحاد عناية فائقة في تطوير الملاكمة وجعلها النشاط الثاني بعد كرة القدم ، أيضا فقد أصبحت الملاكمة جزء لا يتجزأ من نشاط الكثير من الأندية التي كان نشاط بعضها يقتصر على الملاكمة  والمصارعة ورفع الأثقال.
    في الثامن والعشرين من حزيران 1946 أقام الاتحاد الفلسطيني للملاكمين الهواة (كما كان يسمى في أدبيات الصحف الفلسطينية ، رغم أنه لم يكن اتحاد مستقل) في المعهد الرياضي العربي بيافا حفلة ملاكمة كبرى تبارى فيها ملاكمون من مختلف الأوزان في قاعة المعهد الرياضي ، كما وأقام الاتحاد الرياضي الفلسطيني بطولة للملاكمة في المعهد الرياضي العربي (النادي الأولمبي سابقا) في آب 1946 اشترك فيه جميع الملاكمين من كافة أندية فلسطين في عدة مباريات وفي أيام متتالية.  وفي تشرين الأول أقام نادي الإخاء العربي بإدارة الدكتور حقي مازين حفلة للملاكمة بين أبطاله وأبطال فرقة العمال الرياضية بحيفا على حلقة النادي الأرثوذكسي بيافا.[17]
  وحول نشاط لجنة الألعاب الثقيلة (الملاكمة والمصارعة ورفع الأثقال) ففي تشرين الثاني عام 1946 من خلال اجتماعاتها الأندية المشتركة في الاتحاد العمل على نشر ألعاب الملاكمة والمصارعة ورفع الأثقال بين أعضائها وعرضت على لجان المناطق تأليف لجان فرعية لإدارة تلك الألعاب ، وطالبت الأندية التي تمارس هذه الألعاب أن تعلم لجنة المنطقة التي تتبعها. وسعت هذه اللجنة (ضمن الاتحاد الرياضي الفلسطيني) إلى الطلب من الاتحاد الدولي بتسجيل الاتحاد الرياضي الفلسطيني دوليا في هذه الألعاب تمهيدا للاشتراك في دورة الألعاب الأولمبية التي كانت ستقام في برلين عام 1948 ، كما وطلب الاتحاد من الأندية شراء كتاب الملاكمة من تأليف الأستاذ حسين حسني والاستعانة به لتدريب اللاعبين.[18]
  في أيلول 1946 زار السيد ناصيف مجدلاني رئيس الاتحاد الرياضي اللبناني وصاحب جريدة الحياة الرياضية في بيروت وقد حضر حفلة ملاكمة بحيفا على مسرح جمعية التهذيب اشترك فيها السيد أديب الدسوقي بطل فلسطين باستعراض مع بطل البوليس وتبارى أبطال يافا مع ابطال من جمعية العمال وجمعية التهذيب وتغلب السيد محمد حرب-عمالي على السيد عوني الحافي –يافا-ويعقوب سمارة –يافا –على محمد العقاد- عمالي-ورفيق توفيق-تهذيب – على محمود والي-يافا-ومحمد الريس-يافا- على ديب محمد –تهذيب –وقد وزع السيد مجدلاني الجوائز على الفائزين وقبل دعوة السيد أديب الدسوقي لزيارة يافا والاجتماع إلى ممثلي الاتحاد الرياضي الفلسطيني والأندية الرياضية واتحاد الملاكمة للعمل على نشر الرياضة في البلاد العربية.[19]
   في عام 1947 تم فصل الملاكمة عن المصارعة ورفع الأثقال لتصبح لجنة قائمة بذاتها. وفورا قام أعضاء هذه اللجنة بجولات على جميع الأندية المشتركة بالاتحاد للإشراف على هذه الألعاب ونشرها وتقديم التقارير إلى اللجنة العامة وانتداب السادة: عبد الكريم رشدي الشوا وعلى طلبة لمنطقة غزة وليفون كششيان وغالب أبو السعود وعلي طلبة لمنطقة القدس وعلي طلبه وجورج نجار لمنطقتي يافا ونابلس وفضل خضر الزايد وعبد الرحمن مرسال وعلي طلبه لمنطقتي حيفا والجليل. كما وطلب الاتحاد تفويض أعضاء اللجنة العامة لكل منطقة للقيام بتأليف لجان فرعية خاصة مشكلة من مندوبي الأندية المشتركة بهذه الألعاب وكلفت أعضاء اللجنة بجمع المواد اللازمة لوضع القانون الداخلي لاتحاد الملاكمين في فلسطين.[20] عينت اللجنة السادة التالية أسماؤهم ليعملوا كمدربين للملاكمة : الدكتور حقي مازين ، جورج نجار، يوسف معروف ، عبد الكريم الشوا ، عبد الرحمن مرسال ، واكيم نوفي ، سامي عيسى ، حسن شلبي وغالب أبو السعود. كما وقررت اللجنة تعيين الدكتور حقي مازين مستشاراً فنيا للجنة.[21] أقام الاتحاد مباريات بين الملاكمين في يافا وحيفا في 22 آذار 1947 وكان الاتحاد قد فوض الدكتور حقي مازين وجورج نجار لإعداد فريق منتخب يافا وعبد الرحمن مرسال وفضل خضر الزايد لإعداد منتخب حيفا.   
   كانت الملاكمة تتوزع على ثلاثة مدن في فلسطين وهي حيفا ويافا والرملة والقدس. حيفا كانت  تضم: نادي جمعية التهذيب والمساواة ( رفيق توفيق، علي ديب محمد، عمر خليل) وجمعية العمال العربية (محمد حرب ، محمد العقاد، خليل فهد، حسن العقاد) ونادي أنصار الفضيلة والنادي الأرثوذكسي (جورج شامي ، شفيق جلاد ، جورج ورور) ونادي الكرمل (واكيم نوفي) . مدينة يافا: نادي الإخاء (محمد أبو حجر ، شوقي أبو حجر، عقد المطلب رضا، يوسف معروف) والنادي الأرثوذكسي (عيسى رزق الله، شوقي أغابي، ماريو حلبي، ألفرد حبش، ألبير بطشون) والنادي الرياضي الإسلامي (إبراهيم الدباغ، عبد الهادي الصدر، محمد المصري ، عبد الرؤوف المغربي، فخري طرانوس، عبد المطلب الجمل، محمد سمارة ، محمد السخة، إبراهيم الشرقاوي، صدقي سرحان) والمعهد الأولمبي (أديب الدسوقي ،عوني الحافي، يعقوب سمارة،  محمد وفا، شوقي أغابي، طه الشرقاوي، يوسف الزقزوق، محمد الريس ، محمد أبو الريش، صبحي رضا، عيد الدسوقي) . مدينة الرملة وكان فيها معهد الشباب الرياضي (إلياس بطيخة، أحمد يعقوب). القدس التي اقتصرت بها الملاكمة على نادي الأرمن ومن أشهر ملاكميه نوبار كبريل وماردوس بكروشيان .
    لم تصل الملاكمة إلى مستوى عربي فحسب بل وتخطته لتصل إلى مستوى عالمي ولولا هذه الإمكانيات المحدودة للاتحاد الرياضي الفلسطيني لاستطاع ملاكم مثل أديب الدسوقي أن يقوم بجولة في بعض دول العالم ويلاكم ملاكمين مشهورين فيها. في  أوائل عام 1947  تقدم أديب الدسوقي بطلب للهيئة العربية العليا طالبا منها مساعدته في السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمباراة أبطالها هناك. ولكنه فيما بعد الوقت تلقى خطابا من المكتب العربي في واشنطن يظهر فيه أسفه لعدم تمكنه من إقامة مباريات للملاكمة بين أديب وأبطال أميركا لان المسيطرين على هذه الحركة هناك يهود ، غير أن بعض الإخوان الرياضيين هناك تغلبوا على هذه المشكلة واتفقوا على إقامة مباراة بين بطل شيكاغو وأديب وأرسلوا إليه برقية يستدعونه فيها ، غير انه مع الأسف لم يبت في أمر هذه الدعوة لسبب مالي. وقد أرسل الدسوقي إلى الهيئات السياسية والقومية راجيا مساعدته في السفر ،وتلقى فيما بعد كتابين من المكتب العربي بالقدس وبيت المال العربي ، وكان كتاب المكتب العربي يتضمن الأسف لعدم تمكنه من مساعدته رغم أن المشرفين على بيت المال العربي خصصوا 25 ألف جنيه كإعانة سنوية لمشاريع الشباب كالاتحاد الرياضي الفلسطيني والفرق الكشفية العربية.

 
المراجع والملاحظات:


[1]  بدأت الأندية الرياضية اليهودية في فلسطين في الظهور منذ بداية العشرينيات مثل منظمة (المكابي و الهابوعيل والبيتار) التي ركزت نشاطاتها في المستعمرات الصهيونية وكانت تتخذ من الرياضة غطاء لنشاطاتها العسكرية والسياسية والعمالية ، كما وسعت هذه المنظمات إلى الهيمنة على الساحة الرياضية وتمثيل فلسطين على الصعيد المحلي والدولي ، وقد كان تباري الملاكمين الفلسطينيين مع رياضييها في العشرينيات هو بمثابة تحد وإثبات وجود.
[2]  فلسطين 31 آب 1933
[3]  الدفاع 21 تشرين أول 1934
[4]  كان محمد العوضي (أبو هدلا) مصارعا أيضا.
[5]   فلسطين 25 آذار 1941
[6]   الدفاع 22 شباط 1942 في شباط 1942 جرت على مسرح سينما أديسون في القدس حفلة ملاكمة بين البطل الفلسطيني أديب الدسوقي وبطل الشرق الأدنى ماردوس بوكرشيان حضرها جمهور غفير لما للبطلين المتلاكمين من الشهرة والمكانة ، وكان اللعب حماسياً وأسفر في النهاية عن فوز السيد أديب في الجولة الخامسة عشرة على غريمه ووزنه 99 كيلوغراماً مع أن وزن السيد أديب 77 كيلوغراماً. وكان ماردوس يعتبر من أبطال الملاكمة المعروفين في الشرق وقد تغلب في السابق على الملاكم سنحاريب صليبا الذي تغلب على بطل مصر عبده كبريت وعلى شادي بطل النمسا وبذلك يكون السيد الدسوقي قد فاز ببطولة عالية".
[7]  فلسطين 1 أيلول 1946
[8]  في شباط 1940 وعلى مسرح سينما الحمراء بيافا أقيمت مباراة في الملاكمة بين أديب الدسوقي وبطل البوليس البريطاني. في آذار 1941 أقيمت منافسات في الملاكمة على مسرح سينما الحمراء تحت رعاية حاكم لواء اللد ورئيس بلدية يافا عبد الرؤوف البيطار خصصت ريعها لمصلحة الصليب الأحمر البريطاني ، اشترك في هذا الحفل 24 ملاكم عرب وبريطانيون ويهود حيث أقيمت 12 مباراة في الملاكمة تغلب الدسوقي في أحداها على بطل المكابي وبطل بولندا اليهودي.
[9]  استمر توتر هذه العلاقة حتى صيف 1946 وكان بسبب رفض سلطات الانتداب السماح للمهاجرين اليهود (لاجئي الهولوكوست حسب تعبير الأدبيات اليهودية) دخول فلسطين.
[10]  في تشرين ثاني 1944 وعلى مسرح سينما الفاروق بيافا التقى الدسوقي مع بطل البوليس البريطاني . في آب من هذا العام التقى أبطال المعهد الاولمبي مع المكابي في تل أبيب على مسرح المكابي حيث تغلب اثنان من الملاكمين العرب على اثنين من الملاكمين اليهود .
[11]  فلسطين 30 كانون الثاني 1946
[12]  فلسطين 22 حزيران 1946
[13]  ومن المعلوم أن الملاكمة كانت تدخل في ذلك الوقت ضمن لجنة تابعة للاتحاد الرياضي الفلسطيني وليس كاتحاد قائم بذاته.
[14]  http://www.jerusalemquarterly.org/images/HPdf/5_husain.pdf
[15]  فلسطين 26 أيار 1946
[16]  فلسطين 30 أيار 1946
[17]  استمر الدكتور حقي مازين في نهاية 1945 في تدريب النادي القومي (الإسلامي) في يافا معتمدا على مجموعة جيدة من الملاكمين، وفي نفس الوقت كان نشيطا في لجنة الملاكمة التابعة للاتحاد الرياضي الفلسطيني ، وعلى يد هذا المدرب الفاضل تخرج الكثير من الرياضيين هذا بالإضافة إلى تنظيمه للعشرات من اللقاءات والبطولات. إن الذي تميز به الدكتور حقي مازين هو حبه للرياضة بشكل عام لاسيما الملاكمة فقد وهبها الكثير من وقته وجهوده ، رغم وظيفته الأساسية كطبيب.  ولا يسعنا إلا أن نقدر جهوده العظيمة في تقدم الحركة، فبمساهمته الفعالة خطت الملاكمة خطى سريعة  وخاصة في الأربعينيات.
[18]   من قرارات اللجنة العامة للألعاب الثقيلة، صحيفة (الدفاع) 3 تشرين الثاني 1946
[19] فلسطين  أيلول 1946
[20]  فلسطين 23 شباط 1947
[21]  الدفاع 20 أيار 1947
 

No comments:

Post a Comment