Sunday, April 11, 2021

الرياضة والتيار النازي في فلسطين


                                                                                                                                                         

عصام الخالدي

 

     بعد قراءتي لكتاب (الملف: أصول مجزرة ميونخ) The FILE: Origins of the Munich Massacre  المثير للجدل لمؤلفه غسان حداد (الذي يلقي باللوم على العرب لعدم تعاونهم مع الصهاينة في مجال الرياضة ، ويُمجّد في إنجازات الأخير في هذا المجال، حتى أنه يتفوق على المؤرخين الإسرائيليين بتمجيده لهم) وعدة مقالات كتبها في مجلة التاريخ الأولمبي رأيت أن أُعرّف القارىء على بعض القضايا التي لم يُكشف عنها من قبل ألا وهي الرياضة الفلسطينية والتيار النازي في فلسطين، وذلك بالرغم من أن الكاتب يبالغ في دور هذا التيار ويعطيه اكثر من حجمه في كتابه هذا، بالإضافة إلى مشاركة وفد فلسطيني عربي (رسمي وغير رياضي) في الألعاب الأولمبية في برلين عام 1936.

 

  كان هدف الصهاينة يكمن في استخدام الرياضة وكل الوسائل الثقافية لأجل بناء الوطن القومي ، فهم لم تكن لهم نية في التعاون مع العرب ، نعم كانوا يدّعون دائما أن العرب لم يريدوا التعاون معهم في المجال الرياضي، ولكنهم وبشكل شبه علني كانوا يستخدمون الرياضة كغطاء من اجل نشاطاتهم العسكرية والقومية والاستيطانية.

    من المعروف أن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم Palestine Football Association تأسس عام 1928 من قبل اليهود والعرب والإنجليز بمبادرة من منظمة المكابي الرياضية الصهيونية ، ودخل في عضوية الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 1929 ، إلا أن الصهاينة فيما بعد قاموا بالانفراد في هذا الاتحاد وتهويده وإبعاد العرب عنه وتهميشهم ، وأصبحوا يحتكرون الساحة الرياضية بتمثيلهم فلسطين محليا وإقليميا ودوليا. [1] وكان هناك تنسيق وتعاون وثيق بين البريطانيين والصهاينة في المجال الرياضي مما سهل على الثاني تحقيق تطور رياضي ملحوظ.[2] وقد أدت الممارسات الصهيونية على الصعيد الرياضي إلى استياء العرب ودفعهم إلى تشكيل الاتحاد الرياضي الفلسطيني (العربي) في عام 1931 الذي استمر في العمل حتى عام 1938 ، وأعيد تشكيله في أيلول عام 1944. [3]

وهذا ما حدث أيضا مع اللجنة الأولمبية الفلسطينية ففي عام 1933 ، تم تشكيلها رسمياً ، واعترفت بها اللجنة الأولمبية الدولية في أيار 1934 . ومن المعروف كما أشرت في عدة مقالات لي أن الصهاينة كانوا يهدفون إلى التفرد بهذه اللجنة منذ البدء ولكن اللجنة الأولمبية الدولية أصرت أن تشكل هذه اللجنة من اليهود والمسلمين والمسيحيين ، فبذلك قام الصهاينة بدعوة شخصية عربية مسلمة وأخرى مسيحية من أجل تشكيل هذه اللجنة ، وفيما بعد أي بعد انتهاء مهمتهم قاموا بالتفرد بهذه اللجنة.

 

   كانت الألعاب الأولمبية الحادية عشر سوف تقام في برلين في ألمانيا عام 1936 ، وقد ارسلت اللجنة الأولمبية الألمانية دعوة إلى خمسة وخمسين دولة من ضمنها فلسطين من أجل المشاركة في هذا الأولمبياد. وبرغم صعود هتلر إلى الحكم وموقف الحزب النازي من اليهود إلا أن القيادة الرياضية الصهيونية رأت أنه من صالحها الاشتراك في هذه الألعاب الأولمبية كممثلة لفلسطين، فهي بذلك تستطيع إرسال رياضيين ليرفعوا العلم "الأبيض والازرق" وجعل حضورهم دليل على وجود ممثلين ل(أرض إسرائيل) . وقد أرسل فريدنثال رئيس المكابي في ألمانيا رسالة يطلب بإلحاح مشاركة فلسطين في هذه الألعاب ، إلا أنه وبعد صدور قوانين نوريمبرج (التي صدرت في أيلول عام 1935 وكانت تتضمن تجريد أي مواطن غير آري من الجنسية الألمانية) فقد قرر الصهاينة عدم المشاركة في هذا الأولمبياد.

السؤال الأول الذي يبرز هو هل شارك وفد فلسطيني في الألعاب الأولمبية؟ وهذا الخبر في صحيفة (فلسطين) في أيلول 1936 يجيب على هذا السؤال:

"عاد من ألمانيا فريق اعضاء جمعية الشبان المسيحية الذين سافروا إليها برئاسة السيد عطاالله أقديس مدير الألعاب الرياضية لمشاهدة الألعاب الأولمبية وقد قاموا هناك بالدعاية اللازمة لقضية فلسطين."[4]

 

      وكان على رأس هذا الوفد عطا الله إقديس (هذه الشخصية التي يصفها حداد بالمثيرة للجدل، ويضع علامة استفهام عليها لشكوكه أنه كان عضواً في المجمع الماسوني) الذي كان ناشطا رياضيا وعضواً في جمعية الشبان المسيحية في القدس والذي سافر إلى الولايات المتحدة في عام 1947 للدراسة في إحدى جامعاتها. إلا أن الكاتب أيضا لم يستطع أن يحصل على أي وثيقة تاريخية تثبت وجود هذا الوفد سوى بالطبع الخبر الذي ورد في (فلسطين)، وليس مستبعد أنه بإصراره سوف يصل إلى بعضها مستقبلاً من خلال اتصالات خاصة مع الأرشيف الألماني ، ولربما سيجد هناك بين الوثائق التي حصل عليها أو (نهبها) السوفيات والأمريكيون عند دخولهم برلين ما يشير إلى مشاركة الفلسطينيين في هذه الألعاب كوفد رسمي. ومن المعلوم أن حوالي 20 بالمئة من وثائق أولمبياد برلين 1936 بقيت على قيد الحياة. 


   السؤال الآخر الذي يبرز هنا أيضا ما هو التأثير النازي على الرياضة الفلسطينية ، لا احد ينكر هذا التأثير الذي تمثل في الضغط الذي فرضه الأعضاء العرب في مجلس جمعية الشبان المسيحية على رئيسها ، إلا أنه وفي نفس الوقت يجب عدم المبالغة في تصوير التيار النازي بأنه كان متغلغلا بشكل كبير في فلسطين ، فمن المعلوم أن أكثر تأثير له كان في جمعية الشبان المسيحية في القدس التي كانت ضمن مجلس ادارتها مجموعة من الأعضاء العرب الذين تبنوا الفكر الوطني وعلى رأسهم الدكتور توفيق كنعان بالإضافة إلى جورج خضر وبولس سعيد وجوردن بوتاجي وغيرهم، وحاولوا قدر الإمكان إبعاد الجمعية عن كل ما هو صهيوني والتأثير من هذا المنطلق على رئيسها والدو هنريكس Waldo Heinrichs الذي كانت له خطط أخرى غير مطابقة لهؤلاء الأعضاء، إذ نجح هؤلاء الأعضاء في منع الجمعية من المشاركة في المكابياد - وهو مهرجان على نمط الألعاب الأولمبية اقامه الصهاينة عام ١٩٣٢ من أجل جلب أكبر عدد من السائحين والرياضيين وإبقائهم في فلسطين ، ومن أجل إثارة المشاعر القومية لدى الشبيبة الصهيونية.

في تلك الفترة كانت فلسطين تعاني الأمرين من الانتداب وسياسته الداعمة للمشروع الصهيوني، فلذلك نظر الكثيرون إلى ألمانيا النازية كمتنفس لغضبهم على الدولة التي ساعدت ومهدت الطريق للصهاينة لإقامة الوطن القومي . وكما يشير رينيه فلدانغل Rene Wildangel أنه كان لشخصية أدولف هتلر والحماس القومي الذي كان يروج له وما له من فعل بين الجماهير ، تأثيراً على الشعب الفلسطيني بشكل كبير بل ان الأمر يتعدى ذلك إلى درجة أن بعض شعارات النازية نالت صدى إيجابياً في أوساط الفلسطينيين ، غير أن دوافعها لم تكن منبثقة ، كما يقال ، عن معاداة السامية بشكل تام ، بل كانت ترتبط بمعارضة الاستعمار البريطاني عملا بمبدأ "عدو عدوي صديقي".[5]

 

    يشير غسان حداد في كتابه (الملف) إلى أنه في عام 1932 كان هتلر لا يزال على بعد عام واحد من السيطرة الكاملة على ألمانيا ، ولكن مع ذلك فقد استطاع ظل الصليب المعقوف (Swastika) الوصول إلى فلسطين. وعندما تولى النازيون السيطرة الفعلية على الرايخستاغ ، تلقى شاب ألماني يعيش في فلسطين اسمه كارل روف Karl Ruff رسالة من إرنست بوهلي Ernst Bohle في منظمة ما وراء البحار (Auslands- Organization / AO) التابعة لوزارة الخارجية الألمانية في هامبورغ. ثم بدأت هذه المنظمة في السعي والتحريض على إنشاء فروع لحزب العمال القومي الاشتراكي الألماني NSDAP (الحزب النازي) في الخارج. ومن المعروف أنه كان في فلسطين جالية المانية كانت تتمركز في مستعمرة سارونا التي كانت تقع شمال مدينة يافا على مقربة من تل أبيب ، كان بها حوالي مائتي ألماني فلسطيني  يقيمون فيها ويتمسكون بقوميتهم الألمانية Deutschtum أو Germanness ، وكانت هناك ثلاث مجتمعات أخرى في حيفا والناصرة ورفائيم التي كانت تقع جنوب القدس مباشرة . وبحلول عام 1930 ، أصبح من الممكن اعتبار رفائيم ضاحية متصلة بالقدس الجديدة عبر الطريق المسمى طريق جوليان الذي يعتبر شريان يجري بين جمعية الشبان المسيحية وفندق الملك داود. [6]

في بداية عام 1930 قرر راف  تأسيس نوادٍ رياضية في حيفا وسارونا ، وفي ذلك الوقت لم يكن عدد اعضاء الحزب النازي يتجاوز الستة اعضاء ، ولكن بحلول نهاية هذا العام ازداد هذا العدد ليصل خمسة وعشرون أي الحد الأدني لتشكيل مجموعة نازية محلية  Ortsgruppe.  وكما يشير حداد فإن اعضاء هذا الحزب قاموا بالتسبب بمشاكل كثيرة في جمعية الشبان المسيحية في القدس. [7]

كانت ألمانيا قد حصلت بالفعل على حقوق استضافة دورة الألعاب الأولمبية الصيفية لعام 1936 ، المقرر عقدها في برلين ، وكان الحزب النازي على وشك اغتصاب هذه الحقوق . وكانت القدس ستصبح ساحة معركة رئيسية في جهود المقاطعة الأولمبية. وعلى الرغم من أن الصحف الفلسطينية لم تنشر الكثير حول الحزب النازي الألماني في عام 1932 ، إلا أنها اصبحت تفعل ذلك فيما بعد يوميًا تقريبًا بمجرد تولي هتلر السلطة بالكامل في 30 يناير 1933. [8]

 

في أيلول قام والدو هنريكس (رئيس جمعية الشبان المسيحية في القدس) بجولة لمطبعة دار الايتام السورية مع [رئيسها] ارنست شنيلر. ومن المعلوم ان لجنة الترشيح في جمعية الشبان المسيحية اوصت بشنلر كأحد الأشخاص الستة عشر الذين ستنظر نيويورك [مقر جمعية الشبان المسيحية] بتعيينهم في مجلس جمعية الشبان المسيحية . وما لم يكن يعرفه هنريكس ونيويورك ان شنيلر مثله مثل الألمان الفلسطينيين الآخرين في جمعية الشبان المسيحية تقدموا بطلب للانضمام للحزب النازي في نفس الوقت تقريبا. اصبح شنلر والاعضاء الآخرون اعضاء رسميين في الحزب في 1 كانون الثاني 1934 في ذروة التحريض النازي في جمعية الشبان المسيحية في القدس. [9]

في عام 1907 افتتح افراهام فاست فندق (فاست) وكان عضوا في المستعمرة الألمانية German Colony  و المعبد الألماني German Templer . وكانت جمعية المعبد بمثابة نظاماً أخوياً ألمانياُ بروتاستنتيا. في عام 1930 أصبحت بمثابة مصدر لجميع قادة الحزب النازي في فلسطين باستثناء اثنين. وكانت تحتوي على قاعة مجتمعية في رفائيم وأرضية رياضية التي كان يستخدمها الحزب النازي للاحتفال بالمهرجانات النازي الرئيسية من عام 1933 وصاعداً. [10]

 

في 15 تشرين الثاني استولى الغستابو Gestapo على كل السلطة . وبعد عدة أيام وصل مبعوث الدعاية من وزراة غوبل  Goebbels[وزير الدعاية] إلى فلسطين وهو شخص باسم دكتور إيفين. وبعد ثلاثة اشهر ونصف من وصوله كان النازيون يمارسون نفوذهم في جمعية الشبان المسيحية في القدس لدرجة أن قام رئيسها هنريكس Heinrichs بالعودة إلى نيويورك. [11]

 

بالطبع حاولت الصحافة الصهيونية أن تستغل أي تعاطف عربي من ألمانيا لصالحها مبررة في نفس الوقت اتفاقية الوكالة اليهودية مع القيادة النازية Haavara Agreement بشأن  نقل ستين الف يهودي وممتلكاتهم من ألمانيا إلى فلسطين بين عامي 1933 و1939،  ويشير حداد إلى أنه وبحلول شهر أكتوبر ، كان هناك ما يكفي من النشاط النازي في فلسطين ليتم نشره في الصحافة العالمية من قبل صحيفة (جويش ديلي بوليتن) .  جاء ضمن مراسلات خاصة لوكالة التلغراف اليهودية (JTA) بتاريخ 16 سبتمبر أن "عيسى البندك ، رئيس تحرير صحيفة (صوت الشعب) الأسبوعية التي تصدر مرتين في بيت لحم ، غادر إلى باريس حيث سيتلقى تعليمات من مجموعة من الألمان والعرب حول "القيام بالدعاية النازية" في فلسطين.  لعب بندك مؤخراً دوراً  في تنظيم الحزب الفاشي العربي في بيت لحم ، هدفه مضايقة اليهود. [12]

وبحسب المصادر فإن معظم الجماعات النازية خارج ألمانيا كانت بالكاد تشكل 5% من جميع الألمان في الخارج ، أما في فلسطين كان عدد الفلسطينيين من أصل ألماني الذين أنضموا إلى حزب العمالي القومي الاشتراكي الألماني حوالي 19%. تشير هذه الأرقام إلى الاهتمام النازي الكبير بمصير فلسطين.[13]

     

     لا احد يشك في صحة هذه الأرقام إلا أنها تبقى صغيرة وتقتصر على الفلسطينيين من أصل ألماني. أما التعاطف الذي أبداه البعض مع النازية فإنه لم يكن نابعاً من العداء للسامية بل من طبيعة الأوضاع االسياسية والنقمة التي كان يكنها الفلسطينيون للانتداب وسياسته الداعمة لبناء الوطن القومي اليهودي، بالإضافة إلى السذاجة الفكرية التي كان يتمتع بها بعض أفراد الحركة الوطنية الفلسطينية وعدم تفهمهم الواضح لمغزى الفكر النازي. وفي نهاية الأمر لم يكن لهذا التيار تأثيرا يُذكر على مسار الحركة الوطنية الفلسطينية ، ولا حتى على مسار الحركة الفلسطينية التي  كان خطها موازياً للحركة الوطنية الفلسطينية وكانت أيضا في صراع من المشروع الصهيوني ، ناهيك عن أن النشاط الرياضي في جمعية الشبان المسيحية في القدس لم يمثل الرياضة الفلسطينية بأكملها. 

   نحن نعي جيداً الكوارث التي الحقتها ألمانيا النازية بالعالم (بما فيه اليهود) ومن الخطأ إغفالها، إلا أنه يجب أن لا يغرب عن البال أن الكارثة التي الحقتها بريطانيا بفلسطين خاصة بما يتعلق بإقامة الوطن القومي اليهودي كانت اكثر بآلاف المرات من التأثير النازي في فلسطين


 المراجع



[1] عصام الخالدي ، اللقاءات الرياضية العربية اليهودية في حقبة الانتداب البريطاني في فلسطين ، أنظر:

http://www.hpalestinesports.net/2015/06/blog-post_24.html#more

[2] عصام الخالدي ، الأخبار الرياضية في صحيفة (الدفاع) ، حوليات القدس ،  العدد التاسع ، صيف 2010 ، ص. 27 - 33.

 [3]  عصام الخالدي ، تاريخ الحركة الرياضية في فلسطين www.hpalestinesports.net

[4] (فلسطين)  2 أيول 1936 ، ص 5

[5]  فلسطين والحقبة النازية https://ar.qantara.de/content/trykh-mthyr-lljdl-flstyn-wlhqb-lnzy

[6] San Charles Haddad, The File, Origins of the Munich Massacre. (Post Hill Press: New York, 2020).  P 129

[7]  San Charles Haddad,

[8]  San Charles Haddad,

[9]  San Charles Haddad, 131

[10] San Charles Haddad, 104

[11] San Charles Haddad, 125

[12] San Charles Haddad, 131

[13] San Charles Haddad, 123

No comments:

Post a Comment