Monday, August 15, 2016

الرياضة الفلسطينية بين الأصالة والعولمة




عصام الخالدي

     ليس الغرض من هذا المقال الحديث عن العولمة ، فهناك الكثير مما قيل وكتب عن هذه الظاهرة وأبعادها . إن ما أهدف إليه من خلال هذا المقال تعريف القارئ على علاقة الرياضة الفلسطينية بالعولمة ، وتأثير الثانية على مجريات الرياضة الفلسطينية وآفاق هذه التأثيرات .
    تعددت تعريفات العولمة بين المفكرين . ولا يوجد تعريف واحد لها ، يعرف البعض العولمة بأنها حرية انتقال المعلومات ورؤوس الأموال والتكنولوجيا والثقافة والبشر أنفسهم بين جميع المجتمعات الإنسانية.[i] ويرى الكثير بأن العولمة هي شكل آخر للرأسمالية أو مخرج من مخرجات النظام الرأسمالي ، وتعتبر ظاهرة معقدة طوقت العالم كله ، فهي ذات أبعاد اقتصادية وسياسية واجتماعية وحضارية وثقافية وتقنية (تكنولوجية) وبيئية ، شملت مرافق الحياة كلها .[ii]
      إن موضوع العولمة مثير للنقاش دائما ، فالمؤيدون يجادلون أنها تسمح للدول الفقيرة ومواطنيها أن يتطورا اقتصاديا وأن يرفعوا مستوى معيشتهم ، في حين يدعي المعارضون للعولمة أن إنشاء السوق الحرة الدولي غير المقيدة أفاد الشركات المتعددة الجنسيات في العالم الغربي على حساب الشركات المحلية والثقافة المحلية وعامة الناس. ولذلك فقد اتخذت مقاومة العولمة سواء على مستوى شعبي أو على مستوى حكومي في الوقت الذي يحاول به الناس والحكومات أن يديروا تدفق المال والعمالة والبضائع والأفكار التي تشكل الموجة الحالية للعولمة . [iii]
  وليس من السهل أن نغض النظر عما أشار إليه روبرت شتراوس في كتابه (توازن الغد)"إن المهمة الأساسية لأمريكا تتمثل في توحيد الكرة الأرضية تحت قيادتها، واستمرار هيمنة الثقافة الغربية، وهذه المهمة لا بد من إنجازها بسرعة في مواجهة آسيا، وأي قوى أخرى لا تنتمي للحضارة الغربية. إن مهمة الشعب الأمريكي القضاء على الدول القومية." [iv] كما ويؤكد لنا ذلك فرانسوا بايروا ، وزير التربية والتعليم الفرنسي عندما قال "إن هدف العولمة هو تدمير الهويات القومية والثقافة القومية للشعوب."
    وعند الاطلاع على ظاهرة العولمة بشكل عام وآثارها على شعوب العالم الثالث تطرح عدة تساؤلات بما يتعلق بعلاقة الرياضة بالعولمة : هل أصبحت الرياضة جزء من عمليات العولمة ؟ هل يشهد العالم تحديث للرياضة ؟ هل نرى بأن الرياضة انتشرت في العالم بأناس من بعض الدول يقلدون الرياضة التي تلعب في دول أخرى ؟ أم ان الرياضة أصبحت تستخدم  بالعلاقة مع أشكال جديدة من الثقافة الامبريالية والاستعمارية؟
    من الثابت أن الرياضة كما يشير جيي اوكلي (ص. 402-403) أصبحت تقوم على أسس تجارية ، وأصبحت الحدود بين الدول ليس لها قيمة ، لذلك اصبح الرياضي هو عامل مهاجر، فهو يذهب أين هو يلعب ، وهو موجود في المكان الذي يعطيه مال أكثر . إن هذه الهجرة العالمية للرياضيين أبرزت مشكلة سياسية جديدة بالعلاقة مع الرياضة ، بالإضافة إلى مشكلة ثانية لها علاقة مع انتاج السلع الرياضية.[v]
   إن الحقيقة المزعجة هو أنه بالرغم من وجود الكثير من الإيجابيات الملازمة لحركة العولمة في الرياضة ، إلا أن البعض يعارضون بأن عولمة الرياضة تم تحقيقها على حساب الأفراد والمنظمات والبلدان التي لها مصادر محدودة ، وبقدر كبير فإن عولمة الرياضة تحققت على ظهر الفقراء. [vi] وكما يشير ويرثايم (2005 ، ص. 79) مع كل إيجابيات العولمة إلا أنها لا تخلو من العيوب التي من ضمنها توسيع الفجوة بين المجتمعات الغنية والفقيرة وتوسيع المعايير البيئية وزيادة الاعتماد على المصادر الخارجية. وبكلمات أخرى فإن العولمة هي مثل الرياضة : لكل فائز هناك أيضا بالتأكيد خاسر .[vii]
     والرياضة الفلسطينية ليست بمعزل عن العولمة ، فهي كجزء لا يتجزأ من الثقافة العامة للمجتمع لها ابعادها الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية . ومن المعروف أن الحركة الرياضية الفلسطينية منذ عشرينيات القرن الماضي تميزت بأصالتها التي اكتسبتها على مر العقود ، فقد كانت الأندية قلاعا للعمل الاجتماعي والرياضي والثقافي والنضالي ، اعتمدت اعتماداً كاملا على النشاط الطوعي وتفاني الأعضاء ، كما وغلب على الكثير منها الطابع الحزبي والفصائلي مثل الأندية الفلسطينية في مخيمات لبنان والضفة وقطاع غزة.
     نحن لسنا ضد التطور الرياضي ومواكبة الرياضة الدولية ، ولا أحد يرفض أن تكون فلسطين جزء من الفيفا أو الحركة الأولمبية الدولية أو الاتحادات الرياضية الدولية . ولربما أننا جميعا نشعر بالفخر عندما نرى فلسطين تحقق نجاحات على صعيد دولي ، فالانخراط في المجتمع الدولي هو مطلب أساسي لا نستطيع الاستغناء عنه ، رغم أن الفيفا مثلا فرضت على الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم بعض المطالب التي بحد ذاتها تعتبر مظهراً من مظاهر العولمة (من ابرزها الاحتراف) ، وهذا ما لا نستطيع أن نغض النظر عنه . وبالرغم من انتقال اللاعبين المحترفين بين الأندية إلا أن الطبيعة الاجتماعية للأندية بقيت على ما هي ، فهي لم تصل إلى المستوى الذي وصلت إليه الأندية الأوروبية والأمريكية أي ملكية هذه الأندية من قبل فرد  - من قومية أخرى - أو أفراد معينين هدفهم شراء لاعبين من مناطق أو دول أخرى من اجل تحقيق الربح . وبالتأكيد لا تشكل مطالب الفيفا خطرا على الرياضة الفلسطينية ، ولا تنقص من قدرها وأصالتها ، والجيد أن الفريق الفدائي ما زال محافظاً على هويته الوطنية ، كما ومن الواضح أن الرياضة في وقتنا الحاضر أصبحت تستغل استغلالاً جيدا من أجل إبراز وإثبات هوية شعبنا.
     إن أكبر خطر على الرياضة الفلسطينية من جراء العولمة هو "تباعد" شعبنا في الشتات . إن التركيز على الضفة كمركز لجميع النشاطات [سواء السياسية أو الثقافية أو الرياضية] أدى إلى ضعف منظمة التحرير الفلسطينية .[viii] فقد شعر اللاجئون الفلسطينيون خاصة هؤلاء الذين نزحوا في عام 1948 أنهم مهمشون على اصعدة كثيرة بما فيها الرياضية فمنظمة التحرير الفلسطيني التي كانت تمثل مصالحهم الرياضية في السابق أصبحت بديلتها السلطة لا تمثل هذه المصالح وفي مجمل الحديث وبغض النظر عن النجاحات التي حققتها الرياضة الفلسطينية على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي إلا أنها تحولت من وسيلة "ثورية" تسعى لتحقيق الأهداف الوطنية إلى مؤسسة يعتمد بقاؤها على شرعيتها في أعين المجتمع الدولي اكثر من على شعبيتها بين الشعب الفلسطيني . [ix]
    ومن أجل التصدي لمخاطر العولمة والاحتفاظ بالثقافة الوطنية علينا الحفاظ على التوازن بين الأصالة من جهة والانخراط مع متطلبات العولمة . وهذا أمر ليس سهلاً تحقيقه ، لأن عدم فقدان الرياضة الفلسطينية لجوهرها الذي ميزها عن غيرها على مر العقود ، وإعطائها صفة خاصة بها هو بحد ذاته مهمة وطنية. ويقترح بعض الباحثين  ضرورة البدء بالعمل على تطور العقل الفلسطيني الجمعي ، وهو الوحيد القادر على مواجهة آثار العولمة ثقافية كانت أم سياسية . وهذا لا يعني الانغلاق وإنما المحافظة على الخصوصية ضمن الانفتاح على الثقافات العالمية.[x]  ومن الخطأ أن نستمر بالنظر إلى العولمة على أنها "وحش" يترصد بنا ليلتهمنا . علينا فهم أسبابها وابعادها على الصعيد العربي والعالمي وعلى واقعنا الفلسطيني المميز ، كما وعلينا أن لا نشمل كل ما يُحاك ضدنا ضمن "مؤامرات" العولمة ، كما ومن الخطأ الخلط بين الحداثة والعولمة ، مع العلم أن الكثير من مظاهر الحداثة تبدو مشابهة لمظاهر العولمة.
    ما دمنا نربي ابناءنا على حب الوطن والثقافة والتراث ، ونُغني ثقتهم التامة بكل ما نملك من قيم مادية ومعنوية ، ونعمل على تلاحم شعبنا ووحدته وتصديه للاحتلال فإنه من السهل علينا التصدي لمخاطر العولمة . أيضا فإن وضع الرياضة على أسس تنظيمية وصحية ووطنية وديمقراطية صحيحة ، وجعل دور اكبر للمرأة فيها سوف يساعد في تعزيز الرياضة لتصبح أقوى مما هي عليه في التصدي لمخاطر العولمة . وفي آن واحد علينا تربية أبنائنا على احترام الثقافات الأخرى وتوعيتهم بأن كل الثقافات تكمل بعضها البعض ، وعلى أخذ كل ما يغنينا ويغني ثقافتنا (من الثقافات الأخرى) ، ويجعلنا جزء من المجتمعات المتحضرة ، ولقد أثبت لنا التاريخ بأن كل الحضارات لم تقم إلا من خلال الاختلاط والاستفادة من ثقافات المجتمعات الأخرى . وعلينا أن لا نكرر ما يفعله (على سبيل المثال الأمريكيون) على أن ثقافتنا هي الأفضل أو التقوقع والعزلة الثقافية والعيش في فقاعة هواء على كوكب آخر. 

   وفي الختام فإن مهمتنا الأساسية بشأن العولمة هي الحفاظ على أصالة رياضتنا الفلسطينية بميزاتها وخصائصها الاجتماعية والوطنية بدون عزلها عن هذا الكم الحضاري الذي هو من صنع البشرية جمعاء.

الملاحظات والمصادر:


[i]https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=535413633159176&id=191203867580156
[ii] ديانا أيمن حاج احمد ، أثر العولمة الثقافية على مواطني الضفة الغربية ، اطروحة ماجستر ، 2012
https://scholar.najah.edu/sites/default/files/all-thesis/dyn_ymn_rshd_hj_hmd.pdf
[iii]http://www.globalization101.org/what-is-globalization/
[iv]  عابدين الشريف ، لهذه الاسباب العولمة تعني الأمركة ،
http://aljamahiria.algaddafi.org/aljamahiria-----for-these-reasons-globalization-means-americanization

[v]Jay Coakley, Sport in Society, Issues and Controversies, (University of Colorado: Colorado Springs, 201) 7th ed., p.   403
[vi] Lucie Thibault, Globalization of Sport: An Inconvenient Truth, Journal of Sport Management, 2009, 23, 1-20.
[vii] Wertheim, L.J. The Whole World is Watching. Sports Illustrated, 100 (24), 72 - 86.
[viii]Mazen Masri, The PLO and the Crises of Representation, October 15 2010, http://muftah.org/the-plo-and-the-crisis-of-representation-by-mazen-masri/#.VsH_u8_SnIU
[ix]Mazen Masri, The PLO and the Crises of Representation.
[x] ديانا أيمن حاج احمد ، مصدر سابق .
         

No comments:

Post a Comment