Friday, July 3, 2015

الملاعب في فلسطين



    
عصام الخالدي

    ليس بوسعنا الحديث عن الرياضة الفلسطينية في فترة الانتداب دون التطرق إلى مسألة الملاعب التي كانت وسيلة مهمة في مسيرة الحركة الرياضية آنذاك. كانت المدارس في فلسطين سواء الحكومية أم التبشيرية (الأهلية) تختار قطعة ارض مستوية  ، تُنظف من الحصو والصخور ليلعب عليها التلاميذ. وبعد أن دخلت كرة القدم إلى فلسطين في 1908- 1909 بدأت معظم المدراس والتي منها روضة المعارف والمطران (سانت جورج) في القدس في جعل ملعب لكرة القدم خاص بها تمارس عليه هذه اللعبة. ومع بداية تأسيس الأندية الاجتماعية الرياضية في عشرينيات القرن الماضي اخذت الملاعب بالانتشار ليصبح لكل ناد ملعبه الخاص . وقد حتم الانتشار السريع للعبة كرة القدم ازياد في عدد الملاعب ، ولم تقتصر كرة القدم على الأندية والمدارس والفرق الرياضية بل تعدتها إلى المنافسات بين الحارات (التي كان لها أثرا في تطور كرة القدم أنذاك) في المدن والقرى المختلفة . وحتى عام النكبة كان هناك ازدياد ملاحظ في عدد الملاعب فحتى القرى التي كانت تحوي على نادٍ رياضي اصبح لها ملعبها الخاص والذي هو ملك لهذه القرية أو من أرض تبرع بها احد سكان هذه القرية. ومن المعلوم أيضا أن معظم الفرق العسكرية للانتداب البريطاني والشركات والدوائر الحكومية كان لها ملاعبها الخاصة بها وفي كثير من الأحيان كانت تتبارى على الملاعب العربية واليهودية سواء في المدن أو المستعمرات، فمن المعروف أن الكثير من الأندية والفرق اليهودية كانت تملك ملاعبا خاصة بها في المدن أو في المستعمرات الصهيونية. ولم يكن امتلاكها  للملاعب هدفا رياضيا فحسب ، بل  وسيلة من اجل زيادة رصيدها لأكبر مساحة من الأراضي لكي تقيم عليها مشاريعها الاستيطانية. ومثال بسيط فإن عدد عائلات الفلاحين الذين طردوا من أرضهم من قبل الصهاينة عام 1931 بلغ عشرين ألفاً.
   أيضا كانت تقام على هذه الملاعب العروض الكشفية والرياضية بالإضافة إلى الحفلات المدرسية السنوية فمثلا كانت تقام حفلات المدارس الحكومية في يافا على ملعب البصة وحفلات مدرسة النجاح السنوية على ملعب النجاح حيث كان يحضرها مسؤولون حكوميون وشخصيات وطنية واجتماعية.
     في تموز 1935 بالتعاون والتنسيق قامت كلا الحركتين الكشفية والرياضية في إقامة استعراض كشفي رياضي حضره العديد من الشخصيات الوطنية والسيدات. وكان هذا الاستعراض بمثابة رد على المهرجان الرياضي "المكابياد" الذي اقامه الصهاينة في عام 1933 وفي آذار - نيسان 1935. كان ينبغي أن يقام هذا المهرجان على ملعب البصة بيافا كانت لجنة الألعاب الرياضية للاتحاد الرياضي ترغب رغبة صادقة ومن صميم فؤادها أن تتخذ من البصة مكاناً للاستعراض، وعزمت على تسويره مؤقتا ريثما تنتهي الحفلة غير أن البلدية والحكومة عارضتا في ذلك كل المعارضة ، حتى كادت هذه الفرق تمنع من أداء تمريناتها الأولية، وهكذا اضطرت اللجنة لاستئجار الملعب من  صاحبه (أبو غوص) العربي بصورة استثنائية جداً لأنه  كان مؤجر للهابوعيل (منظمة يهودية عمالية رياضية)، وقد حاول أعضاء الهابوعيل منع أبو غوص من تأجير الملعب لكي يعرقلوا إقامة المهرجان إلا أن (أبو غوص) أصر على رأيه وأنذرهم بإخراجهم من أرضه فرضخوا للتهديد وسلموا له بما أراد. [i]
  يشير خير الدين أبو الجبين في مذكراته (قصة حياتي في فلسطين والكويت) أنه في عام 1937 استعادت دائرة الأوقاف بيافا أرض ملعب البرية القريب من شارعنا [شارع أبو الجبين] والذي كنت أتردد عليه باستمرار لمشادة مباريات كرة القدم للنادي الإسلامي. وحولت الأوقاف أرض الملعب المذكور والأراضي المجاورة لها إلى موقع أقامت عليه سوقا تجارية كبيرة هي سوق الإسعاف في وسط المدينة. فاضطر النادي عندئذ إلى التفتيش عن بديل آخر وكان أن استحصل على إذن من بلدية يافا باستصلاح "أرض البصة" شرق المدينة ليقيم عليها ملعبه الجديد. وبذل الأعضاء جهودا كبيرة لتسوية المعلب وزراعة أرضه بالنجيل وذلك استلزم مبلغا كبيرا من المال دفعه النادي من صندوقه ومن تبرعات الأعضاء وبعض الأثرياء في يافا. كما اضطر النادي إلى الاستدانة من البنك العربي لتكملة المشروع بكفالة أحد أنصار النادي. وبذلك تم إنشاء ملعب البصة أو "الملعب البلدي" كما سمي لاحقا في أواخر عام 1938. وكان ذلك المعلب بمقاسات قانونية وله استاد ضخم من الإسمنت المسلح. ومنذ بداية عام 1939 وحتى نهاية الانتداب كانت جميع الأنشطة الرياضية والشعبية في يافا تقام هناك.[ii]  وفي عام 1947 قامت بلدية يافا بتحديث هذا الملعب وتم افتتحاحة تحت رعاية رئيس بلديتها الدكتور يوسف هيكل وعبد الرحمن الهباب سكرتير الاتحاد الرياضي الفلسطيني ، وبحضور عزت طنوس والدكتور حسين فخري الخالدي والسيد رشاد الشو وفضيلة الشيخ مصطفى الخيرى.
في نيسان 1941 اصدرت جمعية الاتحاد النسائي بالقدس بيان جاء فيه ان هذه الجمعية  قررت"خدمة لسيداتنا وآنساتنا المحترمات ونفعا لهن أن ينشىء ملعبا رياضيا يحوي أنواع اللعب والرياضة الحديثة المبتغاة وعلى هذا الأساس فقد بدأ بتنفيذ فكرته هذه بإعداده ساحة محاطة بسور مانع للكشف وملائمة كل الملائمة لهذه الغية الجزيلة الفائدة وستفتتح في شهر أيار المقبل وقد اشترك في هذا المشروع عدد كبير من سيداتنا وآنساتنا فحرصا على عدم ضياع الوقت ورغبة في تنظيم أوقات الرياضة لكل مشتركة محترمة أننا نلفت أنظار من لم يكن لها علم بهذا المشروع من السيدات والآنسات العربيات وترغب الاشتراك فيه أن تنفصل فتراجع الآنسة زليخة الشهابي في بيتها الكائن في باب الساهرة لتسجيل اسمها من قبل اللجنة المشرفة على هذا العمل."[iii]

      تأسس الاتحاد الرياضي الفلسطيني في عام 1931 وتوقف عن العمل في نهاية الثلاثينيات بسبب احداث ثورة 1936 - 1939 المجيدة ثم اعيد تأسيسه في أيلول عام 1941. وكانت أمام هذا الاتحاد مهمات جمة وبرامج واسعة مثل  إنشاء الملاعب في شتى أنحاء فلسطين وإعانة الأندية والمؤسسات الرياضية والاتفاق على مباريات دولية ومهرجانات رياضية وإحضار المدربين الفنيين وتنظيم الرحلات وإحضار الأدوات اللازمة وتفهمه لما تعانيه بعض الفرق في التنقل بين المدن والقرى (حتى أن سكرتير منطقة الجليل كان يطلب من الاتحاد تذليل مشكلة صعوبة بُعد المسافة بين البلدان في هذه المنطقة)  والإكثار من التمثيل الرياضي الخارجي.  كان الاتحاد وأنديته بحاجة ماسة إلى ملاعب خاصة لأن عدد الأندية قد ازداد كما وتوسعت النشاطات الرياضية الأندية فقد كانت هناك صيحات ودعوات إلى إنشاء ملاعب رياضية وكانت هذه الدعوات موجهة إلى البلديات واللجنة العربية العليا فلذلك لم تعر كافة البلديات هذه الدعوات انتباها كافيا.

     تعتبر كتابات ومقالات الأستاذ حسين حسني مصدراً جيدا عن الملاعب في فلسطين ، فقد قام هذا الأستاذ الفاضل ببعض الانتقادات للسلطات والبلديات عن النقص في الملاعب. وكان حسين حسني قد حضر إلى فلسطين في بداية الثلاثينيات وعمل في عدة مدارس كمدرس للتربية البدنية مثل دار الأيتام الاسلامية وروضة المعارف وغيرها ، وبعد اعادة تأسيس الاتحاد الرياضي الفلسطيني عام 1944 قام بإثراء الزاوية الرياضية في صحيفة (فلسطين) بكتاباته المحفزة للنشاط البدني والناقدة لسلطات الانتداب والبلديات في تقصيرها في دعم وتوجيه النشاط الرياضي على اسس وطنية. فتحت عنوان "لينشئ أغنياتنا الملاعب !" كتب في كانون الثاني 1946:
"تلك سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.... يسعى المرء في طلب الرزق ، فإذا نال رزقه عاد يسعى ويسأل الله أن يروقه بمال وفير ، حتى إذا رزقه بالمال الوفير جلس يسائل نفسه "ماذا أصنع به ، وكيف استثمره وأنميه؟". وقديما كانت التجارة والزراعة هما أداة الاستثمار ، غير أن العالم قد تقدم فتنوعت أمامه ، تبعاً لذلك ، سبل هذا الاستثمار وصارت تساير العصر الحاضر من حيث ابتكار المشروعات  التي تعود على صاحبها بالخير والمال الوفير.ومن بين هذه المشاريع الرابحة موضوع "تأسيس ملعب" تقام فيه المباريات المختلفة والحفلات الجامعة ، وإذا أحسنت إدارته وتوفرت مرافقه واتسعت حلقاته ومدارجه كان ذلك ادعى للإقبال عليه من كل فج. وقد جرى العرف على أن المباريات التي تقام في "الملاعب" ويؤمها ألوف النظارة لقاء مبلغ معين من المال – بحسب شهرة الأبطال المشتركين فيها وقوتهم – أقول أن العرف جرى على أن يكون نصف دخل المباريات أو الحفلات من نصيب صاحب الملعب ، والنصف الآخر يوزع على المشتركين في المباراة من أندية أو أفراد. وهذه الحفلات لا ينضب معينها أبداً، فهي تقام دائما ولا يمكن الاستغناء عنها بتاتا، وشهودها دائما في ازدياد ودخلها في نمو مطرد. فمتى يقبل أغنياؤنا على هذا النوع من الاستثمار الذي يؤتى ثماره كل حين ، لا سيما وهو مضمون الربح بقدر ما يتسع الملعب للنظارة ، وبالقدر الذي تكفل به راحة المتفرجين؟ اللهم وفق رجالنا إلى تذوق هذا الضرب من ضروب الربح والاستثمار ، فإن الانتفاع برؤوس الأموال في مثل هذه المشروعات خير من تضخمها في خزائن المصارف ، وإن كل نفع يناله الفرد من جراء مشروع مثل هذا يعود من غير شك على الأمة أضعاف مضاعفة ، وهذا هو أول ما تسعى إليه الأمم الناهضة الحية و (رحم الله إمرءا أفاد واستفاد)."[iv]
وفي مقال آخر جاء فيه "يافا في حاجة قصوى إلى ملعب رياضي تتوفر فيه المطالب الرياضية بميادينها ووسائلها . ولم تكن يافا في يوم من الأيام أشد حاجة إلى هذا الملعب منها اليوم بعد أن نشطت فيها الفرق الرياضية وتعدت النوادي والمؤسسات. وما ندرى سبب قعود بلدية يافا عن إيجاد هذا الملعب الرياضي وتجاهلها صيحات العديد التي وجهت إليها في طلب إيجاده وإعداده ولديها الأموال متوفرة وفيها عناصر من الشباب الذي يقدر أهمية وجود مثل هذا الملعب في المدينة ". [v]
   وتحت عنوان (حاجة جنين إلى ملعب) كتبت صحيفة (فلسطين) " بدأ الشباب منذ مدة قريبة في إقامة صرح الرياضة وتشييد مجدها فقاموا بهمة ونشاط موفورين صحتهم عزيمة لا تقهر . بدأ هذا الفريق من الشباب تأليف فرقة لكرة القدم جعلت تنازل فرق الجيش وتتبارى  معها مباريات حبية وكانت الفرقة في أوقات فراغها تتمرن فيما بين أعضائها على إصابة الهدف وحمايته على السواء وعند ذلك طلبت دخول الاتحاد الرياضي الفلسطيني فأصبحت إحدى الفرق الكثيرة المنتمية إليه ولقد سجل هذا لها فوزاً جديداً في عالم الرياضة . كل ذلك سطع في عالم الرياضة في جنين ولكن العثرة الوحيدة التي وقفت في سبيلها وحالت دون تحقيق أمنية الشباب عدم وجود ملعب."[vi] أيضا وفي احدى مقالاته ينتقد حسين حسني دائرة المعارف لتقصيرها في كثير من الأمور التي تتعلق بالتربية الرياضية والتي منها الملاعب ".... وينقصنا الملاعب ولو واحد في كل مدينة مجهز بالمقاعد الخشبية ومغطى من الشمس والمطر لراحة الجمهور وتشجيعه واحترامه."[vii]
كانت الكثير من الأندية تخصص جزء من ميزانيتها أو تقوم بجمع التبرعات من أجل بناء ملعب تمارس عليها التدريبات والمباريات ، في احد اخبارها نشرت صحيفة فلسطين في تشرين الأول 1937 أن النادي الرياضي العربي في القدس قام بجمع التبرعات لبناء ملعب. كانت الكثير من الفرق تعتمد على "الملعب البلدي" وهو الملعب الذي كانت تقدمه البلديات في المدن المختلفة وكان هذا يعتمد على نشاط البلديات ووعيها لأهمية النشاط الرياضي .
   كانت مدينة القدس تضم الملاعب التالية: الهشموناي ، مدرسة المطران، جمعية الشبان المسيحية، الروضة  ، مدرسة صهيون ، الأمة ،  مدرسة  تراسنطة  ، القطمون،  النادي الرياضي العربي ،  الهومنتمن (حديقة الهومنتمن) ،  جبل سكوبس أما مدينتي  رام لله والبيرة فكانتا تضمان ملعبي مدرسة البيرة وملعب مدرسة الفرندز. وفي يافا: ملعب البصة ،  النادي الأرثوذكسي ،  الجمعية الأنطونية ،  بوليس يافا ،  سكة حديد يافا. وفي صرفند – يافا كان للجيش البريطاني ملعبه الخاص. وفي اللد ملعب المحطة ، والناصرة : ملعب نادي النهضة  وطولكرم ملعب مدرسة خضوري وفي غزة ملعب نادي غزة الرياضي. ولا نريد أن نطيل فهناك العشرات الأخرى من الملاعب التي كانت موجودة في فلسطين في تلك الفترة.
  وحول الملاعب في مدينة حيفا ، يشير جوني منصور إلى أن الملاعب تركزت في المنطقة الغربية من حيفا ، والتي تعرف باسم "الموارس" (اقيمت عليها بعد عام 1948 أحياء سكنية يهودية تحمل أسماء "كريات أليعزر" و"كريات شموئيل") واصطفت الملاعب الواحد وراء الآخر حسب الترتيب التالي : النادي الرياضي الإسلامي ونادي شباب العرب ونادي الترسانة وملاعب الروم . وأحيطت الملاعب بألواح خشبية مرتفعة لمنع تسلل مشاهدين دون دفع رسوم الدخول.[viii] أما ملعب السالزيان فقد اشتراه نادي شباب العرب وقام بإحاطته بسور اسمنتي بينما كانت بقية الملاعب مصونة بأخشاب. وكانت الملاعب تضم أيضا ملعب العزيزية ، ملعب النهضة ، ملعب شركة بترول العراق ، ملعب النادي الرياضي القومي ، ملعب الأمة العربي، ملعب عين غزال، ملعب فريق أجزم الرياضي ، ملعب مستشفى فلسطين العام .
     لم تقتصر الملاعب على كرة القدم فقط ، بل كانت هناك ملاعب لكرة السلة خاصة أن هذا النوع بدأ بالظهور في النصف الثاني من العقد الثالث ، وتطور بعد إعادة تشكيل الاتحاد الرياضي الفلسطيني . ومن بين الملاعب التي كانت تمارس عليها هذه اللعبة هي ملعب جمعية الشبان المسيحية والنادي الأرثوذكسي في القدس وملعب النادي الأرثوذكسي والأنضوني في يافا  وملعب السالزيان في حيفا.

  أما مباريات المصارعة ورفع الأثقال والملاكمة فكانت تُجرى عادة في دور السينما مثل سينما الفاروق والحمراء في مدينة يافا.  
            المصادر:



[i] صحيفة (الدفاع) 12 تموز 1935
[ii] خير الدين أبو الجبين ، قصة حياتي بين فلسطين والكويت ، دار الشروق ، عمان 2002 ص.47.
[iii] صحيفة (فلسطين) 25 نيسان 1941
[iv] صحيفة (فلسطين) 17 كانون الثاني 1946.
[v] صحيفة (فلسطين) 23 كانون الثاني 1945.
[vi] صحيفة (فلسطين) 20 كانون الثاني 1946.
[vii]  صحيفة (فلسطين) 7 شباط 1945.
[viii]  جوني منصور ، المدينة الفلسطينية في فترة الانتداب البريطاني ، الرعاة ، رام الله ، 2009 ، ص. 46.


1 comment: