Wednesday, June 6, 2012

لماذا نكتب تاريخنا الرياضي الفلسطيني

عصام الخالدي
   إن الإجابة على هذا السؤال هو جزء من الإجابة على السؤال الأكبر وهو لماذا نكتب تاريخنا الفلسطيني. وهذان السؤالان غير منفصلان عن بعضهما البعض ، فالرياضة عنصر هام من عناصر الثقافة ، والنشاط الرياضي كان وما زال يشكل جزء هاما من النشاط الثقافي الاجتماعي لشعبنا ، ومكونا مهما في تاريخه.

   منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا شكلت الحركة الرياضية جزء هاما من الحركة الثقافية في فلسطين ، فقد بلغ عدد الأندية الرياضية الإجتماعية قبل النكبة الخمس وستين ناديا منها خمسة وخمسين كانت عضوا في الاتحاد الرياضي الفلسطيني (الذي تأسس في عام 1931 وأعيد تاسيسه في عام 1944). وشكل الاتحاد لجان مناطق ولجان فرعية لكل أنواع الرياضة ، وشكل منتخب وطني وتبارى مع اقوى الفرق العربية . وظهرت العديد من النوادي الرياضية الاجتماعية في فترة الخمسينيات والستينيات مارست النشاط الرياضي وتبارت فيما بينها. كما وكانت الأندية في ظل الاحتلال بمثابة قلاع متينة في التصدي لسياسته، وقد لعبت الرياضة طوال تلك الفترة دورا أساسيا في تعزيز روح التآخي بين شعبنا وحافظت على هويته الفلسطينية. وفي الآونة الأخيرة فقد أسس اتحاد كرة القدم الفلسطيني وأسست الاتحادات الفرعية لكل أنواع الرياضة الأخرى وأسست اللجنة الأولمبية الفلسطينية، وخرجت فلسطين إلى الساحة العربية والدولية وانضمت إلى الاتحاد الدولي وإلى اللجنة الأولمبية الدولية – كل هذه الانجازات معا أصبحت تشكل قيما ثقافية ومعنوية ووطنية لشعبنا.

    في عام النكبة شل النشاط الرياضي ، ودمرت البنية التحيتة للرياضة بشكل كامل ، وقاتل الرياضيون واستشهد العديد منهم وأكبر دليل على ذلك اللاعب المعروف زكي الدرهلي الذي استشهد هو وزميله سعيد شنير عندما فجرت العصابات الصهيونية عمارة (السراي) في يافا ، كما واستشهد الرياضيان عارف النعمان ومحمد الناقة وشرد الكثيرون من الرياضيين والمسؤولين  مثل عبد الرحمن الهباب وأديب الدسوقي وخير الدين أبو الجبين ومحمد الريس وغيرهم ، فهل باستطاعتنا سلب ذكرياتهم وتاريخهم الذي يحمل قيما معنوية ومادية عظيمة شكلت قاعدة رياضية متينة . وحمل شعبنا معه الرياضة التي رافقته إلى الشتات لتمارس في شوارع وإزقة المخيمات. ومن الطبيعي ، لو لم يبتل شعبنا بهذه النكبة لكانت حركتنا الرياضية الفلسطينية أكثر تقدما مما هي عليه الآن.

   إنها مهمة وطنية ملقاة على عاتق كل المؤرخين والمثقفين اليوم ليس فقط الحفاظ على تاريخنا وتراثنا الوطني ، بل والتنقيب في أعماقه والكشف عن مزيد من تفاصيله من المعارف والقيم لتكون وسيلة لتربية أجيالنا القادمة ، وركنا ذا أهمية من أركان الرقي والحضارة. أيضا من أجل التعرف على الصهيونية – جوهرها ونشاطها وأهدافها يتوجب علينا دراستها من جميع جوانبها، كما أن فهم الصراع معها لا يمكن أن يكون إلا من خلال الفهم التاريخي والثقافي له والذي تجلى بجميع أوجه الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي كانت الرياضة تشكل عنصراً أساسياً بها . إن الصراع معها (الصهيونية) في المجال الرياضي لم يكن بمعزل عن مجمل هذا الوضع السياسي والأحداث التي كانت تعصف في فلسطين ، وعن أهدافها الساعية إلى تهويد فلسطين وإقامة الوطن القومي اليهودي عليها ، فالرياضة من جانبها كانت قد استخدمت من أجل تحقيق هذه الأهداف من خلال التفرد بالحركة الرياضية وتهميش العرب عن الساحة الرياضية ، وتمثيل فلسطين على الساحة الدولية لتظهر "يهودية" أمام العالم.

    نحن نكتب التاريخ الرياضي من أجل تكريم وتخليد كل الذين ساهموا في بناء وتقدم الحركة الرياضية الفلسطينية ، فهؤلاء كانوا قد سهروا وثابروا وضحوا بوقتهم ومالهم من أجل تربية الأجيال ومن أجل تقدم نواديهم وحركتهم الرياضية ، فالأندية في فلسطين منذ بدئها في عشرينيات القرن الماضي وحتى الآن كانت مرتكزة على دعم ونشاط أعضائها  ، فمن المعروف أن الكثيرين منهم أنكروا وما زالوا ينكرون ذاتهم واعطوا ما بوسعهم من أجل تقدم نواديهم ، وهذه النزعة - (التفاني والعطاء) هي أكثر ما تميزت به الأندية الاجتماعية الرياضية، وكانت عاملا من عوامل تطور الحركة الرياضية في فلسطين.
   نحن لا نكتب التاريخ فقط من أجل فهم الحاضر وربطه بالماضي ، بل نكتبه لنحافظ عليه من الأيادي التي كانت وما تزال تسعى إلى تشويهه ومحوه من هذا الوجود ، فهناك مهمة ملقاة على عاتق الصهيونية ألا وهي محو ما تستطيع محوه من تاريخنا لكي تثبت مقولة "ارض بلا شعب إلى شعب بلا أرض". ولتبرير جريمة عام 1948 والجرائم التي تلتها. وقد حاولت الصهيوينية أن تمحو تاريخنا كما محت قرانا ومقابر أجدادنا وأن تزور هذا التاريخ كما بنت ملاعب لأطفالها على هذه القرى لتخفى معالمها. لقد أرادت الصهيونية كما أشار (آلان تايلور) في كتابه (The Zionist Mind) أن تضع هالة على جرائمها التي ارتكبتها في فلسطين ، لذا فإن محو التاريخ وتشويهه وتزييفه هو جزء من هذه الهالة. وقد تمثل هذا في فيما تمثل في حبس الوثائق وكل ما يتعلق بتاريخ شعبنا في الأرشيف بعيد عن متناول يد الباحث الفلسطيني، والآن نرى حرب الانترنت وتسخير طاقاتها من أجل التلاعب بالمعلومات المغلوطة ، حتى أنها تمادت في تدوين معلومات في الويكبيديا عن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم. وعندما نتصفح الابحاث والمقالات عن تاريخ الرياضة التي يكتبها باحثون ومؤرخون رياضيون إسرائيليون (وهم لا يختلفون عن المؤرخين في المجالات الأخرى بشكل عام ) نشعر وكأنه لم يكن هناك شعب فلسطيني على هذه الأرض ، وكأن الأرض كانت خالية من هذا الشعب الذي عاش على هذه الأرض لعصور طويلة من الزمان كان يمارس حياته وثقافته التي من ضمنها الرياضية.
نحن لا نتلاعب بالتاريخ من أجل المستقبل  ، بل نحن حريصون عليه من أجل المستقبل ومن أجل الحفاظ على  كياننا وصيرورتنا ومستقبلنا. إن تاريخنا يختلف عن أي تاريخ آخر وهو أنه أريد سلبه كما سلبت الأرض ، فالحفاظ عليه هو مثل الحفاظ على الروح بالجسد وعلى سريان الدم فيه . أيضا فإن التاريخ بالنسبة لشعبنا هو جزء من هويته الفلسطينية العربية ولا ينفصل عنها ، فهو الذي كان قد حملها طيلة المئة سنة الأخيرة ، وما تعرضت له فلسطين على مدى  هذه الحقبة من الزمن من خلال تصديها للخطر الصهيوني كان له أكبر الأثر في تشكيل وتعميق والحفاظ  على هذه الهوية.
    على اتحاداتنا ومؤسساتنا الوعي لهذا الأمر وأول شيء عليها فعله هو أيصال المعلومات عن تاريخ الرياضة إلى الصعيد العالمي لكي يعرف القارىء (ليس فقط العربي) بل والأجنبي ايضا عن حقائق كان نظيره الإسرائيلي قد أفهمها إلى العالم بشكل مزيف ومتطابقة مع مصالحه فقط. يجب على مؤساستنا واتحاداتنا إعطاء التاريخ الرياضي أهمية خاصة لا تقل عن اهمية الفروع الأخرى، فعليها أن تبدأ بجمع الوثائق ووضعها في ارشيف خاص والاحتفاظ به ، وبتدوين التاريخ الرياضي بكل تفاصيله ومراحله التاريخية المختلفة. وشيء مهم لا بد ذكره هنا هو أنه في المئة عام الأخيرة أنشئت مئات الأندية اندثر بعضها وتوقف بعضها عن العمل بسبب النكبة وبعضها ما زال يعمل حتى اليوم ، كلها للأسف لم تجمع حتى في موسوعة تكون في متناول يد القارىء كأي موسوعة أخرى.

  ومن خلال زيادة عدد الدارسين لموضوع الرياضة ولتاريخ الرياضة يتحتم على جامعاتنا التفكير مليا وبجد في تطوير هذا الفرع من علوم الرياضة وبإعداد اختصاصيين وباحثين في هذا المجال، فنحن للأسف لم ندون إلا أقل من واحد بالمئة من تاريخ حركتنا الرياضية الفلسطينية. وفي اعتقادي أن هذا سيتحقق عندما نصل إلى مستوى نعي به جيدا قيمة هذا النشاط العظيم وندرك اهميته التربوية والاجتماعية والصحية والوطنية والأخلاقية والترفيهية. وللأسف أنه لم يول هذا النشاط اهتماما كافيا حتى الآن ، فالاهتمام به وبتاريخه وبجميع جوانبه هو عماد اساسي لتقدم ورقي بلدنا. إن هذا يذكرني بما كتبه الأستاذ الفاضل حسين حسني معلم التربية البدنية الذي حضر من مصر إلى فلسطين في منتصف الثلاثينيات ليدرس في مدارسها حتى عام النكبة ، فقد كتب في آذار 1946 يقول "وليعلم كل فلسطيني أن أي قرش يدفعه لتشجيع هذه النهضة الرياضية إنما يشتري به مجداً لوطنه، وما أغلى المجد."

No comments:

Post a Comment